لم تكن هناك مشكلة إسكان بمصر الملكية لأن أمر بناء العمارات السكنية كان مطروحا للعرض والطلب وكان يتم كاستثمار عقاري وفق هذا المبدأ. وبتدخل الدولة لتحديد العلاقة بين المالك والمستأجر في ظل مصر الاشتراكية زمن الستينات من القرن الماضي، هرب رأس المال الخاص من مجال الاستثمار العقاري، وكان طبيعيا أن تتدخل الدولة لتحل محل الأهالي في أمر بناء العمارات السكنية.. والحق يقال أن ما أنشأته الدولة من مساكن في البداية كان لا بأس به من حيث المساحة والارتفاع.. غير أنه ومع صعود طبقة العمال بالمصانع وانشاء مساكن لاستيعابهم وأسرهم، بدأت فلسفة “ضيق تحبك” تسيطر على الفكر الانشائي المصري في وزارة الاسكان والتعمير.. ومع تداعيات حرب 67 وحرب الاستنزاف بدأ الفكر يتجه لبناء وحدات أصغر لاستيعاب أكبر قدر من المهجرين من أهل القناة داخل المدن المصرية البعيدة عن الجبهة، وهو ما كان وللأسف الشديد بداية ظهور العشوائيات في مصر بسبب الازدحام والتكدس.

وأنا شخصيا لست ضد أن تحارب الدولة العشوائيات، ولكن يجب أن نحارب قبلها الأسباب التي تؤدي إليها، ويجب أن نراعي فيما نبني من شقق للبسطاء أن يكون الحجم بما يسع الأسر التي بها ذكور وإناث، وفق التطور الطبيعي للحياة، فينبغي أن تكون الشقة مكونة من أربع غرف نوم متسعة، بالإضافة للاستقبال وغرفة الطعام.

إضافة غرفة أو غرفتين لن يكون كبيرا بالنسبة للتكلفة الكلية لإنشاء عمارة سكنية أو برج، وجميع الإنشائيين يؤكدون ذلك، ولكنه رغم عدم كلفته سيحفظ على الأسر كرامتها وآدميتها، وسيمنعها من إضافة بلكون أو تراس لتوسيع حجم هذه الغرفة أو تلك لاستيعاب الأبناء في السن الذي يجب التفريق فيه بين الذكور والإناث، أو لاستضافة أحد الأبوين في هرمه، وهو ما ينجم عنه تشويه الشكل العام.

أتمنى أن تراعي الدولة هذا في أي بناء مستقبلي لمساكن للأسر المصرية، فنحن جميعا نعلم أن 96% من مساحة مصر أرض غير مستغلة، فنحن دولة لا يجب أن نخشى التوسع العمراني الأفقي، و قبل أن نحارب جنوح الناس للعشوائية، يجب أن نهزم العقلية الإنشائية السلبية التي تضيق على الناس، فيجتهد كل منهم وفق رؤيته ليوسع على نفسه وذويه، ولكن يبدو وأن وزارة الإسكان والتعمير قد حدث جمود في فكرها الإنشائي، وثبات عند وقت تهجير سكان مدن القناة، ولم تتخل عن هذا الفكر حتى وقتنا هذا!.

أفيقوا أيها السادة.. زمن الحرب انتهى.. والمهجرين عادوا إلى مدنهم بعد تعميرها في منتصف السبعينات.. ابنوا مساكن تصلح للمواطنين مدى حياتهم في جميع أنحاء مصر، ولا تفلسفوا “الفكر العقيم” الذي يسيطر عليكم بأن تطلقوا عليها مساكن للشباب، أي مساكن المرحلة الانتقالية، ابنوها للمصريين، وكأنهم لن ينتقلوا منها أبدا، وسموها مساكن للأسر المصرية التي يجب أن تحيا حياة كريمة.