الاختلاف بقدر ما هو سنة هذه الحياة إلا إنه شاق جدا، كذلك كان “السحت” أو أحمد راتب  ، ذلك القادم من الخلف دائما، الواثق فى قدرته علي التقمص، الذى استطاع أن يتأرجح ما بين الخير والشر والكوميديا والتراجيديا فى سلاسة منقطعة النظير، لم يكن راتب، من فنانى الصف الأول إنتاجا إلا إنه كان سندا قويا لأبطال الأعمال التى اشترك فيها على مر سنوات عمله فى التمثيل .

“السحت” في مسلسل “المال والبنون” ذلك الفتى مجهول النسب الذى كان يعمل بالمعني الدارج “مرمطون” للحاج صاحب البيت والسكان ، كانت تطل من عيونه روح الهزيمة والمثابرة فى أن واحد، هزيمته فى حبه ” لثريا” ومثابرته على أنه سينولها، ذلك البهلول الذى استطاع أن يفضح زيف الشيخ حينما حاول أن يغني له كما كان يغني للحاج سلامة صاحب البيت السابق ، استخدم كثيرا أحمد راتب، سلاح عيونه الجاحظة بعض الشى بكثير من الذكاء وحول ما قد يعده البعض عيبا إلى سلاح فتاك استطاع به أن يجتث من عقولنا فكرة أنه مجرد ممثل يؤدى دور فى لعبة كلنا نعلم مدى هشاشتها وعدم صدقها، عيون “السحت” كانت بمثابة كاميرا ذاتيه أو كاميرا الرقيب ففى كثير من المشاهد تشعر بأن الراوى عينا “السحت” الذى استطاع أن يكون نموذج للانفتاحى الذي تربص بالصيد حتى ناله ليرقى به إلى أعلى مراتب المجتمع، مصرا علي رد كل ماحاق به من إهانة من أهل الحارة .

لم يكن ليشفع للمشاهدين اقتصار ظهوره في رائعة وحيد حامد، “البرىء” سوى في مشهد أو أثنين على الأكثر فقد علقت الجملة التى قالها و التى تعد أحد التعابير العبقرية عن غشم السلطة فالسعادة التي كانت تطل من عيون “الفلاتى” الذى كان يتحدث عن النساء لمأمور المعتقل كثيرا ما تجدها تتلبس أولئك المولعين بالنساء فى أى ظرف كانوا فيه فـ “الفلاتى” ينسى تماما السجن وأسواره وكل ما يلحق به من ألم فقد الحرية، فقد كانت حريته هى تحليقه فى عالم من الأجساد الأنثوية  .

“على بيه عبد الظاهر”  فى فيلم ”  الفنكوش” فهى لواحد من أبناء القهر والكبت تلبس شخصية قاهرة فى محاولة منه لإيجاد مكان له فى السلم الاجتماعى والوظيفى فى شركته التى لم يكن يمكنه أن يقول رأيا فى شؤون إدارتها ما ترتب عليه معضلة كبيرة كادت أن تؤدى بالشركة لولا احتراف البطل أو الموظف الأبرز فى الشركة، السير فى الطرق الخلفية لحل المشكلات، كم كنت لا أستطيع أن أحدد مدى تعاطفى أو استخفافى بـ “علي عبد الظاهر” أثناء اعترافه لـ “صلاح فؤاد” الصديق والموظف الأبرز بأسباب عقدته التى لم يستطع التخلص منها بسبب ضعفه المبالغ فيه أمام شبح قاهره، لقد أتقن أحمد راتب، صنع الغلاف الصلب لقطعة من الكيك الهشة فى الكثير من المشاهد، فذلك الشخص الذي كانت تعانده الظروف فى كل مرة، وكأنه ” نحس” ما كانت شركته لتجنى الأرباح إلا لمجرد أنه “طرطور” يتقن دور الدمية .

أن تتأرجح بين مستويين اجتماعيين أو بين مستويات عدة من الوعى، كأن تكون نظارة للعوالم السفلية فتبحث عن طفلة فى مدينة كالقاهرة، فى فيلم “آخر الرجال المحترمين” حتما فأنت تحتاج لحنكة الأستاذ يوسف، موظف البنسيون الذى نزلت فيه رحلة المدرسة التى كان يشرف عليها الأستاذ فرجانى، لم يكن لديه بد من أن يجعل كل أربعة تلاميذ ينامون في سرير واحد، لقد فعل هذا وبرره للأستاذ فرجانى، بمزيد من الأريحية دون شفقة أو حساب لما يجب أن يعامل به الفرد من احترام لجسده وآدميته، وهو أيضا الذى استطاع أن يدل الأستاذ فرجانى “نور الشريف” علي أولئك الذين يجاورهم من “نور وقطاع طرق ولصوص” عاش بينهم كشعرة تخرج من عجين، لم تكن لتشعر بأن أحمد راتب، ذلك الخفيف في حضوره متواجدا أصلا فى الصورة لكن كان لابد من أن يكتمل المشهد بشقى شخصيته التي أتقنها .

لم يكن أحمد راتب، طول مسيرته سوى واحد منا نجده أينما كنا فقد ترك لنا “السحت” قبل رحيله ملايينا ليصبح”السحت” أسلوب حياة .