لماذا اختفت أبرز طقوس شهر رمضان في الفيوم؟

لماذا اختفت أبرز طقوس شهر رمضان في الفيوم؟ فوانيس رمضان ـ تصوير: صفاء عزت

عادة ما يختلف شهر رمضان الكريم عن بقية شهور العام، من خلال عادات وتقاليد متعددة، وطقوس يمارسها المصريون بكافة طوائفهم، توارثوها منذ سنوات طويلة عن آبائهم وأجدادهم.

ومع مرور السنوات، بدأت نسبة كبيرة من هذه العادات في الاختفاء من بعض المدن والقرى، رغم وجود عدة محاولات للحفاظ عليها وإحيائها في مثل هذه الفترة من كل عام، إلا أن هذه المحاولات لم تنجح في الإبقاء على عادات تجاوز عمرها مئات السنوات.

رمضان في الفيوم

في محافظة الفيوم كان لرمضان نكهة خاصة للاحتفال به، يقول جميل الجويدي، 45 عامًا، أحد أهالي الفيوم، إنه منذ وقت قريب كان هناك طقوس وعادات اختفت الآن، وبعد مرور 20 يومًا من شهر رمضان الجاري، لم يعد لهذه العادات أي أثر واضح، مثل مدفع رمضان الذي كان موجودا في كل مركز من مراكز المحافظة، والآن اختفى من المحافظة ككل.

وكان الأطفال يتجمعون حوله، في منظر روحاني يحمل معاني براءة وألفة كبيرة لديهم، كما كانت الأطفال تتجمع بمحيط المساجد، مع اقتراب موعد آذان المغرب للاحتفال بالآذان والفرحة بالإفطار.

العرائس بديل للفوانيس في شهر رمضان - تصوير: محمود عبد العظيم
محل لبيع زينة شهر رمضان – تصوير: محمود عبد العظيم
اختفاء المسحراتي

بينما يقول إبراهيم مسيحة، كاتب ومؤرخ، إن شهر رمضان في الفيوم كان يشهد عادات ومظاهر عظيمة، اندثرت غالبيتها خلال السنوات الأخيرة، وأبرزها هو اختفاء المسحراتي، فمنذ سنوات قليلة، كان لكل منطقة وحارة بالفيوم مسحراتي خاص بها، مسؤول عن إيقاظ سكانها، وكانت كل قرية من قرى المحافظة لها أكثر من مسحراتي، يقسمون المناطق فيما بينهم، وهذه الظاهرة اندثرت أو بالمعنى الأدق اختفى بعضها، فأصبحت غالبية مناطق المحافظة تخلو من المسحراتي.

مدفع رمضان - ويكيبيديا
مدفع رمضان – ويكيبيديا
مدفع رمضان

ويضيف مسيحة، أن مدفع رمضان في المدينة والمراكز اختفى تمامًا، حيث كان مظهر روحاني وتراثي جميل، فالأطفال والصبية كانوا يتجمعون حوله، وينتظرونه في شكل تجمعات، في انتظار الجملة الشهيرة “مدفع الإفطار.. اضرب”.

ويؤكد المؤرخ الفيومي أنه خلال شهر رمضان كان نادرًا ما تحدث مشاجرة أو مشادة بين الأهالي، فالجميع كان يحترم هذا الشهر، رافضًا أن يتخلى عن روحانياته، وهو عكس ما يحدث الآن.

ومن المميزات التي كانت تميز المجتمع الفيومي سابقا، أنه من كان دائنًا لأحد لا يطرق بابه ولا يطالبه بالدين إلا عقب انتهاء الشهر الكريم، وكان هناك حب وألفة وزيارة الجيران لبعضهم بعضها، وهو الأمر الذي كان يظهر من خلال تبادل الأطباق المختلفة بينهم طيلة الشهر، فيقوم جارك بإعطائك طبقا من الأصناف الموجودة في منزلهم، وبالطبع أنت تفعل مثله تماما.

فانوس الشارع

ومنذ أقل من عشر سنوات، كانت الأسر في الفيوم، تحضر فانوسا كبيرا يتوسط كل منزل أو مدخل العقار، وكذلك فانوس ضخم يتوسط الشارع في كل منطقة أو حارة، وكان منظر الأطفال وهم يحضرون ورق الكتب والمقصات ويقومون بعمل زينة رمضان بالورق كان رائعًا ومبهجًا، لكن الآن اختفت كل هذه الطقوس والعادات القيمة، ربما لارتفاع الأسعار، أو للانشغال الدائم بأمور الحياة.

العرائس بديل للفوانيس في شهر رمضان - تصوير: محمود عبد العظيم
العرائس بديل للفوانيس في شهر رمضان – تصوير: محمود عبد العظيم
مفيش جديد

“الناس صايمة، وبتروح شغلها وترجع تفطر وتصلي، هو ده ملخص اليوم في شهر رمضان السنة دي، ومبقاش فيه أي جديد، بعد أن اختفت كل الروحاينات والحاجات الجميلة اللي كانت بتزين الشهر”، هكذا يتحدث عادل عبد العظيم، 58 عامًا، أحد أهالي الفيوم، في تعليقه عن غياب طقوس الشهر الفضيل التي طالما عاشها خلال سنوات عمره الماضية.

يقول عبد العظيم، إن شهر رمضان كان له استقبالا حافلا من الأهالي في الفيوم، حيث كانت تتزين الشوارع بالفوانيس الكبيرة، وتنتشر أماكن بيع الكنافة البلدي، وتمتلئ الشوارع بالأطفال الذين يغنون “وحوي يا وحوي” و”أهلا رمضان”، الآن أصبحت أغاني الأطفال في التلفزيون فقط.

لماذا اختفت عادات رمضان؟

إبراهيم مسيحة، المؤرخ والكاتب، يؤكد أن الأسباب وراء اختفاء العادات القيمة في شهر رمضان بين أهالي الفيوم، تبدأ من التكنولوجيا واستخدام منتجاتها بشكل خاطئ، حيث أن استخدام مواقع التواصل الاجتماعي بشكل مستمر، أوجد عالم افتراضي موازي، وجعل الأشخاص لا يستمتعون بحياتهم بشكل طبيعي من خلال التجمعات و”اللمة في البيوت”، كما أن استخدام الموبايل للأطفال وألعاب الكمبيوتر، أنشأ لديهم حالة من الإدمان، وجعلهم يبتعدون عن فوانيس رمضان والألعاب التقليدية لمثل هذا الموسم.

مسيحة يؤكد أن للدراما الرمضانية دور فيما يحدث حاليا، “ففي الماضي كنا نشاهد برامج مخصصة للأطفال خلال الشهر الكريم، وفوازير وبرامج مسابقات مثل عمو فؤاد وفطوطة، وفوازير نيللي وشريهان، وحلقات الشيخ محمد متولي الشعرواي”، وهو ما اختفى حاليا، وحل محله أعمالا لا تليق بالشهر الكريم، ولا تخاطب الأطفال في الأساس كما كان يحدث سابقا، لتربطهم بعادات وطقوس الشهر الفضيل.

الوسوم