لقد استمتعت كثيراً برائعة الأديب العالمى الروائي الأبرز نجيب محفوظ، “أولاد حارتنا” التى استطاع من خلالها إسقاط التراث والموروث الدينى للرسائل السماوية المختلفة على الحالة الأزلية الثابته والمتجذرة فى رسوخها لحارتنا المصرية التى لا تتغير مهما تغيرت الشخوص والمسميات والحقب، موصلا بذلك لنظرية الفتوة المخلص، و تلك المعادلة الدقيقة التى ماتلبث تتشكل إلا وتنفك فيما بين القوة الغاشمة والعدالة الرحيمة، وهذا الصراع الأزلى الذى يدور في فلك  الثروة لينفتح بتلك المعادلة الصفرية المحمومة على الكون الفسيح الرحب، وربما كان هذا هو عين مراده لينتهي إلى الإنسان.

خليط من عبق الزمان ورائحة المكان يطرح لأهم مسلمات هذه الرائعة القائلة بأن : آفة حارتنا هي النسيان !!، وربما حان الوقت كي نسأل هل مازالت آفة حارتنا هى النسيان؟ كما أعتقد نجيب محفوظ، والسؤال الأكثر تحديدا هل أخطأ الروائى الكبير عندما وصف الآفة الكبرى لحارتنا وحصرها في هذه الظاهرة التى غالباً ماتعزى إلى تسارع الأحداث وتلاطمها بصخور العوز والحاجة التى نحتت تضاريسها القاسية أيادى الفتوات المتعاقبين عبر الحقب المختلفة لتنتهي إلى مجرد زبد يذهب جفاء لا أكثر ولا أقل؟

دعونى لا أخرج عن الحيز المرسوم لى على الأقل فعلى المستوى الثقافى الذى نحن بصدده نجد أن الحالة الثقافية المصرية، وماوصلت إليه من تردى حاد يتمثل فى ظاهرة المثقف القشري الذى ما أن يشرع فى قراءة النذر الشحيح من الكتيبات التى ربما لاتتعدى أصابع اليد الواحدة إلا وبدأ في التعاطي مع كافة الطروحات الثقافية والمجتمعية من منظوره الإيديولوجي ضيق الإطار آخذا في التنظير الادبى والنقدى حتى يتسع ذلك ليشمل كافة المجالات السياسية والاقتصادية والتاريخية وحتى الدينية بل والرياضية على طريقة ” ومدرب اللعاب حتى يأتوا بمدرب اللعاب جديد ” ناهيك عن التسطيح الإبداعى والسرقات الأدبية، والمكايدة الناتجة عن الشللية والمحسوبية، ومركبات نقص البيروقراطية اللزجة الضاربة فى جذور المؤسسات الثقافية التى يأتي على عاتقها مهمة الربط بين حارتنا وبين آدابها وتاريخها وثقافتها وعبقها الزمانى والمكانى فى المقام الأول كما وصف ذلك جمال حمدان فى موسوعتة الفريدة .

لقد ترتب على ماسبق انحسار وإنزال وتشرذم الأدباء والمثقفين في جزر متباعدة عن واقع المواطن ” فاى” وتفرغت الغالبية العظمى لحروب المقاهي ومناكفاتها الكلامية الجدلية العقيمة والسفسطة العضلية تحت شعار الجدل للجميع وربما كان هذا عين ما أراد الفتوة.

الحق والحق أقول ربما كان يتحتم على الرجل أن يترك عدة نقاط خلف عبارتة الخالدة آفة حارتنا ……. حتى يدع للكافة حرية الاختيار والتوصيف لتلك الآفة من باب الديموقراطية الثكلى المكلومة، أو على الأقل كان قد رسم قوسين كى يحتويا كافة ربوع وبيوت أولاد حارتنا التى أدعوكم لقراءتها فلربما صوب أو سفسط أحدكم لى تلك الإجابة .