ولاد البلد

فيديو وصور| طرده المعلمون لحضوره بالجلابية.. مزارع يمحو أميته ويحصل على الدبلوم في الخمسين

فيديو وصور| طرده المعلمون لحضوره بالجلابية.. مزارع يمحو أميته ويحصل على الدبلوم في الخمسين عبد السيد سعد.. تصوير: محمود عبد العظيم

في الخمسينيات من عمره، لا يزال “عبد السيد” يتذكر رحلته مع محو الأمية، التي بدأت في عام 1997، كما لا يزال يذكر جميع التحديات التي واجهته؛ بداية من تهكم وتنمر الجيران عليه، وطرده من لجنة الامتحان لحضوره بالجلابية، لكنه في النهاية يرى أنها رحلة تستحق كل هذه التضحيات بعد أن حصل أخيرا على شهادة الدبلوم الزراعي وعمره 51 عاما.

يقول عبد السيد سعد عبد المجيد، القاطن بقرية الشاعت، التابعة لمحلية فانوس بمركز طامية، في حديثه لـ”ولاد البلد”..

“لم تكن قريتنا بالكامل تعرف شيئًا عن التعليم أو المدارس، وفي أحد الأيامٍ ذهبت إلى قرية الثمانين المجاورة لقريتنا، فرأيت أحد المشايخ يحفّظ الصبية القرآن، فجلست بجوارهم، ليقول لي الشيخ: روح اشتري كراسة وقلم. فشعرت بشيء جميل وقلبي بدأ ينبض بقوة، عندما أمسكت بالقلم لأول مرة في حياتي بعدما أصبح عمري 15 عامًا، ومن هنا بدأت رحلتي مع التعليم لتنتهي بحصولي على الثانوية الزراعية وعمري 51 عامًا”.

عبد السيد سعد- التعليم - تصوير محمود عبد العظيم
عبد السيد سعد يروي قصته مع  محو الأمية.. تصوير: محمود عبد العظيم

وإذا كانت رحلة التعليم ومحو الأمية مع عبد السيد قد بدأت بالكتاب، إلا أنها لم تقف عنده. يقول “ألح عليً الشيخ هاشم عبد الحكيم، محفظ القرآن بقرية الثمانين، بالالتحاق بمشروع محو الأمية، وذلك في عام 1997، وبالفعل بدأت المداومة على ذلك في قرية فانوس، التي تبعد عن قريتنا بحوالي 4 كيلومترات تقريبا، وكنت كل يوم أسير هذه المسافة على قدمي ذهابًا وإيابًا، ومعي شقيقي الأصغر”.

حلم الطفولة

كان التعليم حلما يراود عبد السيد، المزارع البسيط، منذ طفولته، لكن ظروف الفقر ووفاة أبيه منعته من الالتحاق بالمدرسة، ففضل أن يلتحق شقيقه بالمدرسة، بينما يعمل هو في الأرض الزراعية، وبالفعل ظل ينفق على شقيقه حتى حصل ليسانس الحقوق، وليصبح أول متعلم في القرية، وليقرر عبد السيد الالتحاق بنحو الأمية إلى أن حصل على شهادة محو الأمية.

وعقب حصوله على الشهادة، يقول “تم تعييني عاملًا في مدرسة سعد روبي الإعدادية بشهادة محو الأمية، وفي أحد الأيام كان هناك لجنة من الوزارة تزور المدرسة، وأثناء توقيعي على مواعيد عملي، لفت حسن خطي أحد أفراد اللجنة، فسألني: إنت مدرس هنا؟ فأجبته: لا عامل، فنصحني بأن التحق بالإعدادية، وبالفعل استوفيت الأوراق وقدمت في مدرسة طامية الإعدادية القديمة منازل في 2014، وحصلت على الإعدادية من الدور الأول في الثلاث مواسم”.

مراسل ولاد البلد مع عبد السيد سعد- التعليم
مراسل ولاد البلد مع عبد السيد سعد في منزله يستمع لحكايته.. تصوير: محمود عبد العظيم

وبعد حصوله على شهادة الإعدادية، التحق بالتعليم الثانوي الزراعي.. يقول، “قدمت في الثانوية الزراعية بطامية، واخترت الزراعة لأنني مزارع وسوف تفيدني في عملي، وتخطيت جميع السنوات بها من الدور الأول أيضًا، حتى انتهيت من التعليم وأصبحت حاصلا على دبلوم زراعة، وفخور بنفسي وبأسرتي، وأولادي فخورين بي”.

وحول ذكرياته في هذه الأيام، يقول “ظللت يومين كاملين لا أستطيع النوم من القلق والخوف، قبل إعلان نتيجة الصف الثالث الثانوي الزراعي، وشعرت أنني طفل صغير ينتظر نتيجته، إذ كان شعورا مخيفا وصعبا تحملته بصعوبة، حتى جاءت النتيجة ونجحت وقتها، لأشعر بأنني ملكت الدنيا بكل ما فيها”.

محطات صعبة

ويوضح عبد السيد، أنه تعرض لمراحل صعبة وقاسية أثناء فترة التعليم، قائلا: “عندما قررت الالتحاق بالتعليم، وأثناء الذهاب إلى الامتحانات كنت أتعرض للسخرية والتنمر مرارًا، فالناس كانوا يسخرون مني “هتتعلم ليه وانت قربت تموت.. روح شوفلك تربة.. اللي اتعلموا خدوا إيه”، وغيرها من الجمل المحبطة، إضافة إلى قلة الإمكانيات المادية، والتي كانت عائقا كبيرا، فوالدي توفى وكنت أنفق على شقيقي في التعليم وعلى أسرتي، إضافة إلى أولادي الذين يتعلمون أيضًا، فمرات عديدة كنت أذهب إلى الامتحان وأقضي اليوم كامًلا بدون أكل وشرب لعدم وجود أي نقود في جيبي، وكنت كل يوم أتردد في استكمالي مشوار التعليم، لكن هدفي أمام نفسي وأولادي كان يمنعني”.

عبد السيد سعد- التعليم - تصوير محمود عبد العظيم
عبد السيد سعد برفقة أولاده.. تصوير: محمود عبد العظيم
موقف الجلابية

ويشير عبد السيد، إلى أن من أصعب الأيام التي قابلته، عندما طلب المشرفون على الامتحان في التعليم الثانوي عدم ارتدائه الجلباب، وأن يأتي للامتحان ببنطال وقميص، فرفض وقام المشرفون على الامتحان بإخراجه من اللجنة، لكنه نجح في الدخول مرة أخرى متخفيًا، وجلس تحت “التختة” الخاصة به خوفًا من طرده مرة أخرى، ليقضي أول أيام الامتحان بالجلباب وبعدها يجبر على خلعه وارتداء الملابس التقليدية المسموح بها في المدارس.

لكن عبد السيد، يرى أن التعليم زاد من قدره وطور من نفسه كثيرا، فقد مكنه التعليم من الحصول على ترقيات في وظيفته الأولى كعامل بمدرسة، وحتى عندما عمل فني تركيب سيراميك، ساعده التعليم أيضًا في نجاحه في هذا العمل خاصة وأنه يعتمد على عمليات حسابية، حسب قوله.

عبد السيد سعد- التعليم - تصوير محمود عبد العظيم
عبد السيد سعد يعلم أولاده.. تصوير: محمود عبد العظيم
أسرة كاملة متعلمة

ويضيف عبد السيد، “رغم أن قريتي لا تحب التعليم ويعتبرونه تضييع وقت، إلا أنني أدخلت أولادي الأربعة المدارس، فولدي الكبير محمد تخرج هذا العام من كلية الألسن بجامعة بني سويف، ويوسف تخرج من معهد مساحة، ومحمد في الصف الثالث الثانوي العام، وعبد الرحمن الأصغر في الصف الأول الابتدائي، ولن أهدأ إلا أن يحصلوا جميعا على درجات علمية كبيرة في تخصصاتهم، فالتعليم هو الحياة والشريان للفقراء والغلابة مثلنا”.

الوسوم