ولاد البلد

صور| من بطن أهريت إلى أم الدنيا.. رحلة صفاء فتحي مع محو الأمية وحتى الدراسات العليا

صور| من بطن أهريت إلى أم الدنيا.. رحلة صفاء فتحي مع محو الأمية وحتى الدراسات العليا

كانت صفاء فتحي تقطع مسافات طويلة من قريتها المتواضعة ببطن أهريت في محافظة الفيوم إلى القاهرة، لتدرس وتلتحق بالبكالوريوس حتى الدراسات العليا، لتعوض ما رحل عنها من سنوات بلا تعليم بسبب الظروف الاقتصادية للأسرة المكونة من 8 أبناء، 5 صبيان و3 بنات.

كانت البداية عندما أخذتها جدتها لتعيش معها لتؤنسها في وحدتها ولتراعيها، فنظرت صفاء من إحدى شُرفات منزل جدتها القديم في الساعة السادسة صباح يوم ما، لتجد فتيات القرية والعائلة يحملن حقائبهن، ويذهبن إلى المدرسة، فوقفت أمام المرآة تتطلع إلى نفسها ودارت الأسئلة: لماذا لم ألتحق بالتعليم وأنا مازالت صغيرة العمر؟! لتقرر خوض فصول محو الأمية في سن الـ13 عاما من عمرها.

وبمناسبة اليوم الدولي لمحو الأمية الذي أقرته منظمة اليونسكو عام 1966، ليوافق 8 من شهر سبتمبر كل عام، للاحتفاء به سنويًا، نستعرض قصة كفاح إحدى سيدات قرى الفيوم ورحلتها من الأمية للدراسات العليا.

وقضية محو الأمية هي عنصر جوهري في أهداف التنمية المستدامة 2030 التي تتبناها الأمم المتحدة، حيث تعد الهدف الرابع “التعليم الجيد”، من الأهداف الـ17.

أحد صفوف محو الأمية في غاو بمالي في مركز بنته بعثة الأمم المتحدة في مالي
تحدى التقاليد والأمية 

صفاء فتحي، 36 عاما، من أبناء قرية بطن أهريت بمركز يوسف الصديق بمحافظة الفيوم، وهي أكبر أخواتها البنات، تروي قصة كفاحها مع حلمها، وتحدياتها وتغلبها على تقاليد القرى، وانتصارها على الأمية إلى أن وصلت للدراسات العليا، وتجهز حاليًا للماجستير.

تحكي صفاء: “قبل 23 سنة، علمت عن طريق الصدفة عن فتح أولى فصول محو الأمية وتعليم الكبار بقرية بطن أهريت بمركز يوسف الصديق، قدمت فيه مباشرة فور علمي، ولكنهم رفضوا قبولي لأن سني كان صغير وقتها وغير مناسب”.

شهادة محو الأمية الخاصة بصفاء فتحي، خاص “ولاد البلد”
حماس

تشير صفاء إلى أنها أصرت على دخول فصل محو الأمية، حيث وجدوا الحماس في عيناها، قائلة: “أخذوني مستمعة بدون قيد، حتى أستفيد بالتعليم، وبعدها بالفعل تم عمل اختبار لي، وتم اجتيازه، ثم التحقت بالفصل، واجتزت الاختبار النهائي، وحصلت على شهادة محو الأمية عام 1998، من الهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار”.

تتابع: بعد ذلك اتجهت لمرحلة الإعدادية، وحصدت المركز الرابع على المدرسة في الشهادة الإعدادية، ثم التحقت بالثانوية العامة، ولكن هنا استوقفني مرض والدي، حيث شدّ عليه التعب والمرض في مرحلة الثانوية العامة، والدي كان يغسل كُلى، وتوفى على أثر هذا المرض اللعين الذي كان يقبض على روحه في كل جلسة يذهب إليها للغسيل”.

 

شهادة بكالوريوس الخدمة الاجتماعية خاص”ولادالبلد”
تأثر دراستها

أثر وفاة والد صفاء نسبيًا على مذاكرتها وإرادتها نحو استكمال تعليمها، مشيرة إلى أن مجموعها في الثانوية العامة كان مناسب إلى حد ما في هذه الظروف، والتحقت بعدها بمعهد الخدمة الاجتماعية المتوسط “عامين”، بجاردن سيتي، وتخرجت بتقدير جيد جدا.

لم توقف الفتاة الفيومية رحلتها نحو التعليم، لتقرر استكمال دراستها، والالتحاق بكلية الخدمة الاجتماعية جامعة الفيوم، بنظام التعليم المفتوح، وتخرجت بتقدير جيد جدًا مرتفع، بنسبة 82,5%، كما رتبت الثالثة على الدفعة من أوائل الخريجين، ثم التحقت بالدراسات العليا وحصلت على الدبلوم العامة التربوية في عام 2015، بعد البكالوريوس مباشرة بتقدير جيد جدًا.

شهادة الدراسات العليا- دبلومة تربوية خاص “ولادالبلد”
تحديات

قررت صفاء فتحي، عدم الزواج إلا بعد استكمال دراستها على أكمل وجه، وتنوي التحضير لعمل الماجستير قريبًا، تحدت زواج الأسرة مبكرًا قبل استكمال تعليمها، على الرغم أنها الأكبر سنًا بين أخواتها البنات.

وقررت زواج أخواتها البنات الأصغر سنًا منها أولًا، فكان التعليم بالنسبة لها رقم واحد قبل أي شيء آخر، وبعد طيلة سنوات خاضتها في التعليم، تزوجت في عام 2019، ولديها الآن طفل يبلغ من العمر 8 أشهر.

الحياة لم تكن وردية تمامًا مع صفاء، فكانت تعمل وتدرس في آنّ واحد، نظرًا لظروف أسرتها، كانت تعمل بالنهار، وتسهر تذاكر حتى آذان الفجر، ثم تواصل السهر لتذهب لمقر تعليمها.

العمل مع الدراسة

وعن باقي تحدياتها، توضح صفاء: “كنت أعمل في النهار لأساعد في مصروف المنزل، وأعود من العمل استريح قليلًا وأنظر لاحتياجات المنزل، ثم أبدأ أذاكر دروسي حتى مطلع الفجر، كنت لا أنام كثيرًا، كان يشغلني حينها الوصول لهدفي في التعليم.

قطعت الفتاة الفيومية مسافات طويلة من بطن أهريت إلى جاردن سيتي، في أثناء دراستها بمعهد الخدمة الاجتماعية المتوسط.

وتضيف: “كنت أنام ساعة فقط وأستيقظ قبل الشروق بدقائق لأركب أول مواصلة من قرية بطن أهريت لمركز الشواشنة، ومن الشواشنة إلى مركز إبشواي، ومن إبشواي لمحافظة الفيوم، ومنها إلى المنيب، ثم المترو، حتى أصل لمقر المعهد بجارد سيتي، مع تكرار هذه المواصلات مرات أسبوعيًا فضلًا عن عبء مصروفات المواصلات والدراسة”.

وتدين صفاء بالفضل لشقيقها الأكبر، الذي كان يتولى مصروفات دراستها، خلال هذه الفترة، رغم ظروف بداية عمله في عام 2005، وكان معاش والدتها وقتها 80 جنيهًا فقط، قائلة: “كنت حريصة جدًا ومدبرة في المصروفات بسبب ظروف الأسرة، وبعد المعهد تكررت المواصلات مرة أخرى من قريتي لجامعة الفيوم، حتى التحقت بالبكالوريوس، ثم الدراسات العليا”.

أمنيات

تتمنى صفاء فتحي، في اليوم الدولي لمحو الأمية، أن تتحقق أحلامها، وتنادي بمقابلة الدكتور أحمد الأنصاري، محافظ الفيوم، الذي لا يتأخر عن أحد بلا تفرقة، لعرض قصتها عليه، حتى يجد لها فرصة عمل، تعوض لها طيلة سنوات قضتها تنقل مابين المحافظات والقرى لتكمل دراستها، من أجل مستقبل مُشرق ووظيفة ثابتة بأجر تساعد من خلاله أسرتها وزوجها وطفلها الرضيع، وحتى تكمل الماجستير والدكتوراه.

وفي ختام حديثها الشيق مع “ولاد البلد”، تعبر: “أتمنى أن أجد فرصة عمل في المجزر الآلي بمركز يوسف الصديق، أو كاتبة بالوحدة الصحية بقرية الصبيحي”.

وتضيف: “نفسي أعوض سنين التعب والشقاء والدراسة في شغل كويس أجد نفسي فيه، نفسي أعوض سنوات السفر والسهر، قدمت في فرص عمل كثيرة، ولم يتوفر لي أية فرص جيدة، فأنا لدي مهارات عدة، في مجال الحاسب ومجالات أخرى متعددة”.

صور| رحلة “الكيلاني”.. تحدى الإعاقة والأمية وحصل على الدكتوراه
الوسوم