صور| رحلة “الكيلاني”.. تحدى الإعاقة والأمية وحصل على الدكتوراه

صور| رحلة “الكيلاني”.. تحدى الإعاقة والأمية وحصل على الدكتوراه

كان أميّا، لكنه أصبح يقرأ الدنيا ويكتبها، والإعاقة التي تُرى لديه منبع طاقات كامنة لا تُرى، كأنها مُنحت له دون غيره، هذا الأربعيني، لم يكن طموحه أن يجد عملا، أو يحصل على وظيفة، أو يتخطى دروس محو الأمية، بل كان حلمه أن يصبح أستاذًا جامعيًا، هذه ليست أحجية.

محمد الكيلاني، 46 عامًا، من كيمان فارس بالفيوم، يجلس على كرسي متحرك رابط الجأش يجلس ملكًا، بينما يروي لي قصته مع حلمه، حلمه الذي لم ينته بعد.

الدكتور محمد كيلاني محمود أخصائي شؤون تعليم بجامعة الفيوم – تصوير: إيمان عبد اللطيف

الكيلاني هو الأوسط بين إخوته الثمانية، لوالده الذي كان يعمل “مكوجي”، يحكي الكيلاني: لظروفي الصحية لم أذهب إلى المدرسة، ولا نلت حظا من التعليم، ولا حظًا من لهو الطفولة وميعة الصبا، أصابني “شلل الأطفال” أقعد طرفاي السفليين عن الحركة، لكنه أبدًا لم يقعد هذا القلب.. هذه الروح.. هذا العقل.. هذا الإيمان.

بينما كان المرض اللعين يقبض على قواي، كالذي “يكلبش” إرادتي، كانت الروح تهفو إلى نفحة علم مما يتلوه أمامي إخوتي، كنت أصبو إلى الدراسة مثلهم، فشاركتهم الدراسة دون مدرسة، والتعلم دون معلم، ما منحني القدرة على القراءة والكتابة، وحدث مرة أن اشتريت كراسات لأدرب نفسي على الكتابة.

الدكتور محمد كيلاني محمود أخصائي شؤون تعليم بجامعة الفيوم – تصوير: إيمان عبد اللطيف

وماذا بعد الكتابة؟ ماذا فعلت؟ أسأله، فيجيب: كانت الكتابة مرحلة أولى، لكنها ليست نهاية المطاف، فلم يمر وقت طويل حتى استهواني الشعر فكتبته، واستفز إنسانيتي النثر فأجدته، ثم جذبتني الرواية ولم يبخل عليّ الخيال فكتبت ما شاء لي أن أكتب، نثرته على أوراق الكراسات، والكتابة سحر يعرف أصحابه.

انضممت للمنتدى الثقافي بالفيوم، وكنت أواظب على حضوره، وألفّت العديد من الروايات والأشعار، وشاركت في عدة مسرحيات، كما كانت لي فرصة المشاركة بأحد مؤلفاتي في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الأخيرة.

حتى سن العشرين لم يكن الكيلاني قد التحق بالمدرسة، فقد كانت الأسرة البسيطة التي نشأ فيها غير قادرة على تحمل أعباء تعليمه وهو صاحب ظروف خاصة، في فترة السبعينيات، ورأت الأسرة أن الأنسب هو أن يتعلم “صنعة” أفضل، فعمل لمدة أسابيع فقط كترزي.”

لكن لم تكن تلك هي المحاولة الأولى، ففي سن 19، قبل حصولي على شهادة محو الأمية، حاولت فتح “مِقلة صغيرة”، ثم عملت سمسارا وبائعا ومراجع تذاكر بسينما الفيوم القديمة، وحاولت العمل في مهنة والدي “مكوجي”، لكن ظروفي الصحية حالت دون ذلك، وحصلت على شهادة ورقية في تعليم صناعة السجاد، كما تم تعييني كاتبا في مديرية الطب البيطري بالفيوم.

الدكتور محمد الكيلاني، في بداياته، حرص على شراء الصحف كل جمعة، يوم الإجازات التي يركن فيها إلى الراحة، ويختلي فيها بعيدا عن “دوشة” الحياة”، يقول: الرياضة والنشاط العقلي نالا اهتماما خاصا لدي إلى جانب الأدب، فكنت أمارس الرياضة من خلال استاد الفيوم، وسافرت مع فريق الاستاد في بطولات رياضية لأكثر من مكان.

الدكتور محمد كيلاني محمود أخصائي شؤون تعليم بجامعة الفيوم – تصوير: إيمان عبد اللطيف

حصل الدكتور الكيلاني على شهادة محو الأمية عام 1993، ثم استكمل مراحل التعليم “بنظام المنازل” في سنوات الإعدادية، ثم حصلت على شهادة الثانوية العامة بدرجات جيدة عام 1999، والتحق بكلية دار العلوم جامعة الفيوم، وتخرج عام 2003، وحصل على تمهيدي ماجستير في 2004، ثم الماجستير عام 2009 بتقدير ممتاز، وكان موضوع الرسالة “منهج النحاة في الاستدلال بالحديث النبوي الشريف بين النظرية والتطبيق”.

واختار الكيلاني موضوع “مسائل سيبويه النحوية في كتب تفسير الأندلسيين.. توثيق ودراسة”، ليكون رسالته في الدكتوراه، قائلا: إن كتاب سيبويه يعتبر من الكتب التي يطلق عليها قرآن النحو، لأن هذا الكتاب أرّخ لمرحلة مهمة جدًا في نحو اللغة العربية، وهو من أوائل الكتب الكبيرة التي وصلت لنا كاملة سواء في النحو أو في علوم أخرى.

وعن رحلته للوصول للدكتوراه، يقول “حاولت البحث عن مخطوطات كثيرة لكتاب سيبويه، بشرط أن تكون هذه المخطوطات لم يرجع إليها في النصوص المطبوعة من الكتاب، وبفضل الله جمعت عددا كبيرا من مخطوطات كتاب سيبويه، وقدمت في رسالتي ما وصفه المشرفون أنه شيء عظيم جدًا، وأنني استحق عليه التقدير بدرجة ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى”.

نشر الكيلاتي عن ذوي الإعاقة كتابه “أهمية التحدي والإرادة في حياة ذوي الإعاقة”، ونشره هذا العام عن دار غريب للنشر، والكتاب ينقسم إلي عدة أقسام منها الشعر والمقال ورواية وقصة”، وبيعت نسخ الطبعة الأولى من الكتاب.

الحياة لم تكن وردية مع الكيلاني بطبيعة الحال، لم تمنحه النجاح دفعة واحدة، أو دون مقابل، لكن أخذت منه عرق سنوات وقودا لنجاحات سنواته الحالية، يقول “أبسط الأمور أن المجتمع ليس لديه ثقافة تقبل ذوي الاحتياجات الخاصة، وكلما تقدمت لخطبة فتاة واجهت صعوبة في القبول بسبب الإعاقة”.

تزوج الدكتور الكيلاني عن عمر 33 عاما، وبينما يحدثني عن صراعاته مع الحياة، لم ينس زوجته التي تفهمت حالته، وهو الآن أب لثلاث فتيات، يرينه مثلا أعلى، أما الزوجة فهي رفيقة العمر، التي تمنحه وقود الاستمرار في مواجهة الحياة، بينما تتوارى هي عن الصورة.

الدكتور محمد كيلاني محمود أخصائي شؤون تعليم بجامعة الفيوم – تصوير: إيمان عبد اللطيف
الوسوم