الجوع ظاهرة موجعة وظالمة ومكْلفة ومُفسدة؛ فهى تعلم الرجل السرقة والمرأة الزنى، والجوع هو انخفاض شديد فى المواد الغذائية، والفيتامينات واستهلاك الطاقة، وهو الشكل الأكثر تطرفا من سوء التغذية، والجوع لفترات طويلة يمكن أن يسبب تلفا مستديما فى أعضاء الجسم، وفى النهاية يؤدى إلى الموت، ووفقا لـ “منظمة الصحة العالمية” الجوع هو الخطر الأكبر على العالم والصحة العامة، والموت جوعا يؤثر حاليأ على أكثر من مليار شخص، أو يمكن القول افتراضا أن 1 ضمن 6 من الذين يعيشون على هذا الكوكب يموت جوعا، وهو يؤدى إلى كثير من الأمراض فينتج عنه فقر الدم، ومرض البرى برى، والبلاجرا والاسقربوط، وهذه الأمراض يمكن أن تسبب الإسهال والطفح الجلدى، والاستقساء، والسكتة القلبية المفاجئة.

والأفراد الذين يعانون الجوع يتميزون بالغضب السريع والكسل وخمول الجسم، كونه يسبب التعب ويجعل المصاب به فاقدا للشعور بمرور الوقت، و تضعف قدرته على الحركة؛ مما يقلل من تفاعله مع العالم المحيط،وعدم قدرته على مكافحة الأمراض، كما يؤدى الجوع إلى ضمور المعدة، وضعف الإدراك الذى تتحكم فيه النسبة الفارغة من المعدة، وضحايا الجوع غالبا ما يكون لديهم ضعف فى الإحساس بالعطش، وتصبح جميع الحركات مؤلمة بسبب ضمور العضلات ويجف الجلد ويتصدع ويتشقق نتيجة للجفاف الشديد، وفى مراحل متقدمة يؤدي الجوع إلى تراجع الوظائف الحيوية والعقلية؛ مما يؤدى إلى انخفاض قدرات الشخص الجائع بشكل حاد، ويجعله عاجزا وغير قادر على البحث عن الطعام أو الحصول عليه، وينتج عن ذلك حدوث الغيبوبة أو الموت.

يضطرالجائع العاطل عن العمل إلى قضاء ساعات النهار نائما حتى لا يشعر بجوعه، وما أن يستفيق نراه يعبر عن مأساته بالعراك والمشاجرات: الزوج مع الزوجة، والأب مع الأولاد، ويتبادلون الشتائم والنقد واللوم لأى سبب تافه ، وتمر الساعات دون أن ينطفئ لهيب الجوع.

والجدير بالذكر أن الطعام له أهمية كبرى فى المحافظة على الصحة النفسية للفرد ، ففى حالة الشعور بالقلق يعمل الطعام كمسكّن طبيعى من خلال تفعيل وحدة الجهاز العصبى الطرفى للجهاز العصبي المستقل وتثبيط اليقظة.أما عند الشعور بالغضب فإن تناول الطعام عن طريق القضم أو العض أو المضغ يعطى شعوراً بالراحة، وبالنسبة للشعور بالملل فإن تناول الطعام بكل بساطة هو عبارة عن شىء يمكن القيام به لتخفيف حدة الشعور بالملل، وإذا كان الفرد يعانى من الاكتئاب فيأتى عادة تناول الطعام ليوفر وقتاً سعيداً بدل المعاناة من الكآبة والملل وعدم الرضا.

وقد روى المؤرخين حوادث قاسية عن الجوع والمجاعات، فـ “الشدة المستنصرية” هو مصطلح اطلق على مجاعة حدثت بمصر نتيجة غياب مياه النيل ، لسبع سنين متواصلة عرفت بالعجاف فى نهاية عصر الخليفة الفاطمى المستنصر بالله، فى مستهل النصف الثانى من القرن الخامس الهجرى من تاريخ الدولة الفاطمية في مصر 1036-1094م، حيث تصحرت الأرض، وهلك الحرث والنسل ، وخُطف الخبز من على رؤس الخبازين، وأكل الناس القطط والكلاب حتى أن بغلة وزير الخليفة الذى ذهب للتحقيق في الحادثة أكلوها، وجاع الخليفة نفسه! حتى أنه باع ما على مقابر أبائه من رخام! وذكر ابن إلياس، أن الناس أكلت الميتة، وقد قيل أن رغيف الخبز بيع بخمسين ديناراً و بيع الكلب بخمسة دنانير، وبيعت البيضة من بيض الدجاج بعشرة قراريط، وبلغت رواية الماء دينارا، وشرع الناس فى أكل الأحياء وصنعت الخطاطيف والكلاليب لإصطياد المارة بالشوارع من فوق الأسطح،  وتراجع سكان مصر لأقل معدل في تاريخها، وعم مع الغلاء وباء شديد، وعم الخوف أنحاء البلاد – وخاصة الخوف من العسكر ومن العبيد –  فانقطعت الطرقات براً وبحراً ، كما روى أن الأحباش كانوا يتربصون بالنساء فى الطرقات و يخطفوهن و يقتلوهن و يأكلوا لحومهن، واضطر الخليفة المستنصر إلى بيع كل ما يملك فى قصره، ولم بق له إلا حصيرة يجلس عليها و بغلة يركبها و غلام واحد يخدمه.

فالموت جوعا يأتى عادة ليجبر الناس على تجرع مرارة عدم تجرع أى شيء! وهنا لا ينتظر الجائع طبقا شهيا تفوح منه رائحة البهارات ليُسكِّن به جوعه، فكل ما ينتظره هو المرض ثم الموت.

ولا يحتاج وصف الجوع بأنه قاتل ومميت إلى تبريرات علمية أو طبية، ومن المفترض أن حكامنا  يعلمون ذلك تماما، ويعلمون أكثر من غيرهم عواقب الجوع الوخيمة، من حدوث اضطرابات اجتماعية قد تقضى على الأخضر واليابس ، فليس للبطن الجائعة أذن تسمع ، ومن نافلة القول أن :لا حريات ولا كرامة للإنسان ما دام يهدده الجوع والمرض، والتحرر المادى ومحاربة الفقر والجوع والمرض أول مرحلة فى سبيل تحررنا الفكرى والمعنوى.