ولاد البلد

الفيومية في الخارج.. من حصار الفقر إلى عبودية العمل والموت والاختفاء القسري

الفيومية في الخارج.. من حصار الفقر إلى عبودية العمل والموت والاختفاء القسري شقيق أحد ضحايا حادث الأردن أثناء الجنازة- تصوير إسراء سمير:

“سافر اثنان من أبنائي منذ خمسة أشهر للأردن من أجل العمل، بعد أن ضاقت بهما الدنيا في مصر، واليوم رجع لي أحدهم في صندوق ميتًا والآخر مصابًا بين الحياة والموت”.. كلمات قالها الحاج عبدالشفيع، أثناء تشييع جنازة 7 من أبناء قرية شعلان من بينهم نجله، راحو ضحية حادث تصادم مروع وقع فجر الأحد 27 مارس 2016، بمحافظة المفرق الأردنية “75 كم شمال شرق عمان”، بين سيارة نقل تقل قطعًا من الحجارة وأخرى ميكروباص كان يستقلها الضحايا، بينما كان ابنه الثاني أحد مصابي الحادث.

ربما كان الحادث واقعة عادية، من الممكن أن تحدث في أي وقت وفي أي مكان، لكن كلمات الحاج عبد الشفيع، جاءت كاشفة أكثر حتى من تحليلات علماء علم الاجتماع السياسي للظروف التي تدفع الآلاف من شباب الفيوم للسفر خارج مصر.. ظروف ومسؤوليات تجعلهم يتحملون في “منفاهم الاختياري” ظروف عمل أشبه بعصور العبودية، وهو ما يدفعنا لفتح ملف أبناء الفيوم العاملين في الخارج، وما يتعرضون له من انتقاص لأدميتهم وضياع لحقوقهم.

إحصائيات

يشير آخر تقرير سنوي صادر عن جهاز التعبئة والإحصاء لعام 2014، إلى أن إجمالي تصاريح العمل الصادرة من محافظة الفيوم للعمل بالخارج لعام 2014 بلغت 38 ألف و222 مواطنًا منهم 13 ألف و419 مواطن استخرجوا تصاريح للمرة الأولى و24 ألف و803 مواطن جددوا تصاريحهم بالسفر مرة أخرى.

خيبة أمل

يقول سعيد علي، 32 عامًا: سافرت لأول مرة في سن العشرين، وعملت نجار مسلح في منطقة عمان الأردنية، لدى أحد المقاولين، اتفق معي على مقاولة بمبلغ يعادل 30 ألف جنيه مصري، وبعد انتهاء المقاولة، لم يعطني ما اتفقنا عليه، وأخذ يماطلني شهر بعد آخر، بعدها قال لي صراحة: “ليس لك شيء عندي”.

“لست الوحيد الذي تم النصب عليه، الكثيرون من زملائي مروا بوقائع مشابهة”.. هذا ما قاله سعيد في حديثه، مضيفًا: “فكرت مرارًا في الذهاب إلى المغفر الأردني، ولكن زملائي منعوني، مؤكدين لي أنني لم أحصل على شيء من حقي وربما لفق لي المقاول الأردني قضية، بالطبع كان يقولون هذا من واقع خبرتهم، ولم يكن لدي ثقة أن السفارة المصرية في عمان ستسمح لي بالدخول أصلًا، حتى أتوجه إلها، فعدت خائب الأمل إلى مصر منذ شهرين، لأعمل باليومية ناسيًا أحلامي بالتحقق وبناء مستقبلًا لي ولأولادي”.

العمل سرًا

لا تختلف حكاية شعبان إسماعيل الذي يبلغ من العمر 40 عامًا، سوى أنه سافر إلى المملكة العربية السعودية بعد وفاة والده، وأصبح هو العائل الوحيد لأخته ووالدته.

يتحدث إسماعيل عن تجربته قائلًا: عملت سائق لكفيلي والذي يملك إحدى الشركات المشهورة براتب شهري ألف ريال سعودي، أقضي ساعات طويلة منكفئًا خلف عجلة القيادة، مع ارتفاع الأسعار في مصر، لم يعد راتبي يكفي مصروفات والدتي وأختي التي أصبحت في الثانوية العامة، طلبت من كفيلي زيادة مرتبي، فرفض، وأردت ترك العمل لأعمل عند آخر براتب أعلى، ولكن المصيبة كانت في رد كفيله “تمشي وين وانت موقع على عقد ملحق بورق إقامتك بشرط جزاء 100 ألف ريال سعودي”، فقد استغل جهلي بالقراءة والكتابة وأمضاني على الشرط الجزائي.

ويردف إسماعيل: ضاق الأمر بي فلا أنا استطيع توفير ربع الشرط الجزائي حتى ولا أستطيع أن أكمل بهذا الراتب، فتوجهت إلى السفارة المصرية، فلم يكن هناك حلًا للتخلص من هذه العبودية سوى ذلك، حاولت لأيام متتالية مقابلة مسؤولي السفارة، وأخيرًا التقيت بأحدهم لكني خرجت من مكتبه خائب الأمل ولا أدرى ماذا أفعل حتى اليوم سوى مواصلة عمل أخر ليلًا في السر لكى أستطيع تحسين مستوى معيشتة أسرتي في مصر.

مجرد صورة

“هي مجرد صورة فقط”.. هذا ما وصف به أشرف راضي، 42 عامًا، مهندس اتصالات يعمل بالكويت، السفارة المصرية، مستكملًا بالقول: كنت أعمل بشركة “أيسل” للخدمات الإلكترونية، وتعرضت لعملية نصب أنا وثلاثة من زملائي، فقد اتفقنا على راتب 1500 دولار شهريًا، وعملنا لأربعة أشهر متتالية دون أن نتقاضى دولارًا واحدًا، بحجة أن الشركة تمر بضائقة مالية، طالبنا كثيرًا الحصول على راتبنا كان صاحب الشركة يماطلنا يوما بعد آخر ومع الوقت اتضح الأمر، فقد قال لنا صراحة: “شوفوا شغل ليكم غير هنا فالشركة متعثرة ماليًا”.

يضيف راضي، توجهنا إلى السفارة المصرية لنستنجد بها، فكان رد مسؤولي السفارة: لن نستطيع مساعدتكم سوى في عودتكم إلى مصر، لكن لكن علاقتكم بصاحب العمل ليس لنا شأن بها.

اختفاء “موسى”

حالة مختلفة ولكنها تجسد أيضا بلا شك أحوال المصريين بالخارج، ومدى اهتمام سفارتنا بأحوالهم، هي اختفاء “موسى” الشاب الفيومي الذي يبلغ من العمر 26 عامًا، من قرية ريفية بسيطة، هي قرية العتامنة التابعة لمركز إطسا، متزوج ولديه طفلة تبلغ من العمر عامين، سافر إلى ليبيا كعادة الكثيرين من الشباب الذين لم يستطيعون الحصول على فرصة عمل داخل مصر.

وبحسب رواية والدته بدأ موسى في السفر إلى ليبيا للعمل “نجارمسلح”، منذ أن كان عمره 16 عامًا، واعتاد أن يقضي عامًا أو عامين، ثم يعود ليقضي فترة إجازة قصيرة، ويغادر قريته مرة أخرى باحثًا عن الرزق في ظل ظروف اقتصادية تشتد قسوتها يومًا بعد يوم على الفقراء.

خلال مدة سفره الأخيرة، أبلغه إخوته أن والده في حالة مرضية خطيرة وعليه العودة لرؤيته، حاول موسى العودة، لكن الظروف في ليبيا لم تسمح له بالنزول إلى أن توفي والده في أواخر عام 2015، وعندما سمحت الظروف له بالعودة فوجىء بالسلطات الليبية تحتجزه داخل المطار وتسحب منه جواز سفره وتصادر أمواله وهاتفه المحمول، وتقداده إلى مكان غير معلوم، بحسب رواية شقيقه الذي يعمل أيضًا بليبيا.

عائلة “موسى” أرسلت المئات من الخطابات للمسؤولين في الخارجية والرئاسة والقوى العاملة والهجرة، لمعرفة طريقه لكن أحد “لم يبل ريقهم” بكلمة واحدة عنه أوعن مكانه.

دور القوى العاملة

وبحسب ما قاله على أبو الحسن، وكيل مديرية القوى العاملة والهجرة، بمحافظة الفيوم بالنسبة لهجرة العمال إلى الدول بنوعيها سواء العربية أو الغربية: جاءت قرية جردو في مقدمة القرى التى يعمل شبابها في المملكة العربية السعودية، وجاءت قريتى النزلة وطبهار في مقدمة الدول التى يسافر أهلها إلى الأردن، وجاءت قرية تطون في مقدمة القرى التى يعمل شبابها بدولة إيطاليا، كأكبر دولة غربية تضم عاملين من الفيوم.

وأضاف أبو الحسن، أن دور المديرية يقتصر على متابعة واستخراج العقود ومراجعتها للتأكد من صحتها، لكن متابعة أحوال أبناء الفيوم في الخارج، هو شأن خاص بالوزارات المختصة بشكل مركزي.

وبالعودة لدراسة جهاز التعبئة العامة والإحصاء ثبت أن أغلب المصريين الذين يسافرون إلى الدول العربية أغلبهم من الحاصلين على مؤهلات متوسطة، أو بدون مؤهلات، وأغلب الذين يسافرون إلى الدول الغربية حاصلين على مؤهل مرتفع، بينما تبلغ نسبة الذكور 97%، مقابل 3%، فقط للإناث.

تخلي الحكومة

ويرى محمد البجيجي، عضوالمنظمة المصرية لحقوق الإنسان، أن قضية أحوال العمالة المصرية في الخارج ذات شقين: أولهما متعلق بشروط البلاد التى يسافر إليها العامل المصري فهى تقلل من مزايا العمال، وهي شروط تحتقرهم وتعاملهم كالعبيد، والثاني هو ضعف حكومة مصر أمام هذه الدول، فعندما تكون دولة قوية، تستطيع أن تحمي مصالح أبنائها في الخارج من خلال سفارتها.

ويستكمل البجيجي، أساس المسألة هي مدى إرادة الحكومات في الوقوف إلى جانب أبنائها في الخارج وحماية مصالحهم، ولعلنا نتابع جميعا قضية الشاب الإيطالي جوليو ريجيني، و الذى عثر عليه ميتا وعلى جسده آثار تعذيب، ومافعلته وتفعله حكومة بلادها للوصول إلى قتلته والقصاص منهم، وفي المقابل فإن أكثر من حالة مواطن مصري ماتوا في ظروف غامضة دون أن نعرف كيف، ولم نرى سوى رجوعهم في تابوت بتقرير تقليدى “هبوط حاد فى الدورة الدموية”.

تراخي الدولة

ويشير محمد جميل، محام، أن المغتربين يخطعون لقانون العمل الخاص بالدول المسافرين إليها وهو الذي ينظم شؤونهم، طبقا للعقود المبرمة بينهم وبين أصحاب الأعمال، ومن المفترض أن سفارتنا في الخارج ووزارة القوى العاملة والهجرة، مسؤولون عن متابعة أحوالهم في الخارج، ورعاية مصالحهم ورد حقوقهم، لكن ذلك لا يتم، وتتراخى الدولة حتى في تطبيق نص القانون الخاص بأحوال المصريين في الخارج الذى يضمن لهم حقوقهم في مواجهة أصحاب العمل، وعدم وجود ضمانات لهم مما يعرضهم لاضطهاد بشكل دائم.

ويضيف جميل: الحكومة تخالف نص المادة 88 من الدستور لعام 2014، التي تنص على “التزام الدولة برعاية مصالح المصريين المقيمين بالخارج، وحمايتهم وكفالة حقوقهم وحرياتهم، وتمكينهم من أداء واجباتهم العامة نحو الدولة والمجتمع وإسهامهم في تنمية الوطن”.

الوسوم