“استضافة المرأة”.. مأوى المعنفات تحت سيف العادات والتقاليد

“استضافة المرأة”.. مأوى المعنفات تحت سيف العادات والتقاليد

“تحملت الضرب والإهانة 10 سنين علشان ما أطلقش وما ألاقيش مكان أعيش فيه، اعتبرت الضرب أحسن من البهدلة في الشارع”.. بهذه الكلمات بدأت إيمان إبراهيم، 46 سنة، مطلقة، وأم لثلاثة أبناء، حكايتها عن سنوات زواجها.

تكمل إيمان “تزوجت وأنا في العشرين من عمري، بداية زواجي كانت دون أي مشكلات حتى أنجبنا ابننا الأول، حينها بدأت حياة جديدة مليئة بالإهانة والضرب، وعندما كنت أشتكي لأهلي كانوا دائما يقولون: عيشي واتحملي”.

تردف إيمان “في إحدى المرات قام زوجي بضربي بشراسة، لا أتذكر بالطبع السبب، لأنه دائما لم يكن هناك أسباب، في هذه المرة كسر ذراعي، وأجريت عملية جراحية لتركيب شريحة ومسامير، بعدها صممت على الطلاق، وذهبت للعيش في منزل أسرتي، وهناك كانت معاناة جديدة”.

وتابعت “كانت والدتي تريد أن تزوجني مرة أخرى لكي أترك المنزل، فيبدو أنني صرت عبئا حتى عليها، وعندما كنت أرفض كانت تسبني وتضربني، لذلك فكرت كثيرًا أن أترك المنزل، ولكني لم أجد مكانًا بديلاً، وعندما كنت أتحدث مع أحد من الأقارب كانوا ينهروني قائلين: عيب أنتي عايزة تفضحينا”.

رويات كثيرة تجسد معاناة نساء تحملن الإهانة والتعنيف والضرب من أزواجهن وذويهن لأنهن لا يملكن مأوى آخر.

ربما يعتبر مشروع مركزاستضافة المرأة أحد مشروعات وزارة التضامن الاجتماعي، والذي توكله في الفيوم إلى إحدى الجمعيات الأهلية، حلا ولو بسيطا لهذه المشكلة.

عادات وتقاليد

تقول نها إبراهيم، منسق المشروع والأخصائية الاجتماعية بجمعية تنمية المجتمع “بندر ثالث” الموكل إليها المشروع، إن الهدف من مشروع استضافة المرأة هو حماية الفتاة أو السيدة التي تتعرض لظروف طارئة نتيجة لتعنيفها من قبل الزوج أو الأهل، ووجود مكان يستضيفها حتى حل المشكلة إضافة إلى تقديم المشورة لهن.

وتشير إبراهيم إلى أن معظم الحالات المترددة على المركز تكون للمشورة، أما الحالات التي تأتي بغرض الإقامة فهي قليلة جدا “فمنذ بداية المشروع عام 2007 لم نستقبل سوى 49 حالة فقط”.

توضح إبراهيم، أن السبب وراء ذلك هو العادات والتقاليد فمعظم الأهالي ينظرون إلى الأماكن التي تقيم بها الفتيات أو السيدات كدور المغتربات أو غيرها على أنها أماكن غير آمنة على بناتهن، مضيفة باستغراب “يطرد الزوج أو الأهل السيدة أو الفتاة في منتصف الليل، وهو يعلم أنها ليس لها مكان يأويها ثم يجن جنونهم عندما يعلموا أننا استضفناها”.

شروط وإجراءت

وعن شروط الاستضافة، تقول منسقة المشروع “بمجرد وصول السيدة أو الفتاة طالبة الإقامة يتم قبولها بشكل فوري، وتسكينها في غرفة خاصة ولو كانت تصطحب معها أطفال يتم تسكينها بغرفة بها أكثر من سرير، وصرف وجبات جاهزة فور وصولها لأنها تكون عادة منهكة، وتحتاج إلى تغذية وراحة، ثم في اليوم التالي يتم عقد جلسات معها لاستماع مشكلتها، وإلزامها بمجموعة من الإجراءات تكون جميعها على حساب المركز، للتأكد من خلوها من الأمراض”.

وتشير إلى أنه في حالة الشعور بأن الحالة تعاني من أي اضطربات نفسية أو عقلية يتم تحويلها إلى قسم الأمراض النفسية بالمستشفى العام، وكذا الـتأكد من خلو صحيفة الحالة الجنائية الخاصة بها من أية جرائم.

وبعد اتمام كافة الإجراءات التي تتم في غضون أيام على نفقة المشروع، وبعد ذلك يتم أخذ موفقة لجنة الإشراف وتحديد المدة التي تقيم فيها الحالة والتي لا تتجاوز 6 أشهر، وتكون الإقامة مجانا في حال كون الحالة لا تعمل، أما في حالة وجود دخل لها فأنها تدفع مبلغ لا يتجاوز 150 جنيها شهريا، وبعد ذلك نبدأ بعمل جلسات صلح مع أهالي الحالة  أو “الجانب المعنف”، وفي حالة احتياجها إلى رأي ديني أو قانوني نقوم بالتواصل مع المسؤول القانوني والديني المتعاقد مع المركز.

معدل الحالات

وتقول أنوار مصطفى، مدير مشروع استضافة المرأة، إن المركز مفتوح علي مدار 24 ساعة لاستقبال أي حالة مع استعداد المركز لاستضافة أبناء المقيمة فيما عدا الذكور فوق العشر سنوات، موضحة أن المركز يحتوي على 4 غرف نوم كل غرفة بها سريرين بالإضافة إلى عنبر كبير به 4 أسرة، مشيرة إلى أن المركز مكتمل من كافة المستلزمات التي يحتجنها المقيمات.

وتضيف أن المركز استقبل منذ نشأته في عام 2007 141 حالة مشورة، و49 حالة إقامة، ومعدل الحالات سنويا ما بين 17 – 19 حالة، وتتراوح أعمارهن ما بين 20 – 50 عاما، موضحة أن من الممكن أن تمر سنة كاملة دون أن تأتي أي حالة للمشورة أو الإقامة.

أزمات مالية

وتوضح مديرة المشروع، أن أبرز الحالات التي تأتي تكون بسبب مشكلات مالية أو تعاطي الزوج للمخدرات، إضافة إلى مشكلات جنسية أحيانا خاصة بالزوج وأحيانا أخرى خاصة بالزوجة.

تحرش

وتروي مصطفى عن إحدى الحالات التي أقامت بالمركز قائلة “جاءت إلينا إحدى الفتيات وكانت تعيش مع زوج أمها والذي كان يتحرش بها، وعندما اشتكت لأمها لم تصدقها، فأقامت بالمركز فترة حتى قررت جدتها أن تأخذها للعيش معها”.

وحالة أخرى لزوجة لديها 3 بنات، تشتكي من تعاطي زوجها المخدرات وعندما تذهب إلى العمل يقوم الأب بالتحرش ببناته الثلاث، وهذه الحالة ساعدناها بالفعل على الطلاق من زوجها، على الرغم أن الهدف الأساسي للمشروع هو الحد من الطلاق ولكن كان ذلك لصعوبة الوصول إلى حل مع الزوج.

قيود اجتماعية

وتؤكد مصطفى “من أكثر المشكلات التي تواجهنا هي عدم استيعاب المجتمع لفكرة المشروع في محافظة الفيوم، على عكس المحافظات الأخرى، وذلك لأن الفيوم من المحافظات ذات الطابع الريفي وتحكمها عادات وتقاليد رجعية”، مشيرة إلى أن هناك أزواج يرفضون بشدة فكرة وجود زوجاتهم بالمركز ويعتبرونه “فضيحة”.

وتحكي مصطفى “قام زوج في الساعات المتأخرة من الليل بالتعدي علي المركز لاعتراضه علي مبيت زوجته خارج منزلها على الرغم أنه اعتدى عليها بالضرب، قائلاً لنا: دي كدة نايمة في الشارع انتو بتحرضوهم على الطلاق”.

ضعف التمويل

ومن جانبها تقول سعاد  نصر، مديرة الجمعية المسند لها المشروع، إن الجمعية تضم 7 أنشطة من بينهما مشروع استضافة المرأة وهو من أكثر المشروعات نشاطا، وذلك لتوقف الأنشطة الأخرى لضعف الإمكانيات.

فيما رفضت نصر مقابلتنا لأي من الحالات، مؤكدة أن الحالات سرية طبقا لسياسة المشروع بالاتفاق مع التضامن الاجتماعي.

وتقول كريمة رمضان، مسؤول بإدارة شؤون المرأة التابعة لمديرية التضامن الاجتماعي، إن المديرية أسندت المشروع للجمعية بندر ثالث بعد عمل لجنة مشكلة من “إدارة الجمعيات وإدرة الشؤون القانونية وشؤون المرأة” والتي أقرت بمطابقة الجمعية للشروط الخاصة بالوزارة لإسناد المشروع إليها.

وتضيف رمضان “هيكل الجهاز الوظيفي للمشروع حددته الوزارة، أما اختيار الموظفين يتم من خلال الجمعية”، مؤكدة أن تمويل المشروع من الوزارة هو إعانة سنوية بقيمة 16 ألف جنيه، تشمل مرتبات الجهاز الوظيفي والندوات والدورات والاجتماعات، مستطردة “هو مبلغ ضعيف بالطبع لذلك طالبنا مرارا وتكرارا بزيادة ميزانية المشروع ولكن الوزارة رفضت”.

الفيوم- هدير العشيري وأحمد خليفة: