“الموت حرقًا وذبحًا وطعنًا”| حصاد الفيوم المر في “2016”.. وباحثون: المقبل “أسوأ”

“الموت حرقًا وذبحًا وطعنًا”| حصاد الفيوم المر في “2016”.. وباحثون: المقبل “أسوأ” صورة تعبيرية

إدراك أسباب الجريمة ودوافعها، لم يكن يومًا بالأمر الهين، المؤثرات النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، الفقر، الحرمان العاطفي، التفكك الأسري اليأس، التمميز، هذه أشياء ربما يقف بعضها أو جميعها وراء ارتكاب جريمة ما، ولكنها تبقى كلمات مجردة، إذ لم يتم ربطها جميعها بشكل علمي دقيق.

شهد عام 2016 والذي نقف على بعد ساعات، من انتهائه، العديد من الجرائم في الفيوم، تنوعت أسبابها واختلفت طرق تنفيذها، ولكنها اتسمت بالبشاعة، عامل يحرق سكرتيرة محام، بعد رفضها الزواج منه، وابن هيشم رأس أبيه، وزوج يقتل زوجته طعنًا بمطواه، وأخرى تتفق مع عشيقها للتخلص من زوجها، و “مراهق” يذبح جده.

بعضٍ من حصادٍ مر، يحاول “ولاد البلد” رصد أسبابه، من خلال عرض جوانب هذه القضايا وتحليلها اجتماعيًا ونفسيًا.

انتقام

في الثالث والعشرين من شهر أغسطس عثرت شرطة طامية، على جثة متفحمة بمساكن الزراعيين بذات المركز، لسيدة تدعى “نيفين.م.ع”30  سنة، وتعمل سكرتيرة محامٍ بمساكن طامية، ، وتعيش بمفردها بعد طلاقها منذ ما يقرب من عام، ولديها طفل عمره خمس سنوات.

المعاينة الأولية لمكان الحادث اشتبهت جنائيًا في الواقعة، وتوجهت أصابع الاتهام في أول الأمر نحو خفيرنظامي، كشفت التحريات أن الضحية تقدمت ببلاغ ضده قبل أيام من وفاتها تتهمه فيه بالتحرش بها والاعتداءعليها بالضرب داخل محكمة طامية، لكن المباحث بعد تحريات مكثفة حول الحادث الغامض، توصلت إلى أن عامل يدعى محمود .م.ا” 26سنة، عامل “دي جي” ويقيم  بشارع بورسعيد  مركز طامية، وراء الجريمة.

واعترف المتهم في التحقيقات، بارتكابه الجريمة، بعدما رفضت رغبته في الزواج منها، فقام بكتم أنفاسها وبعدها قام بإشعال النار في جثتها للإيهام أنها ماتت حرقا.

خيانة

لم يكن ما شهدته عزبة القاضي التابعة لقرية “كحك بحرى” بالشواشنة في مركز أبشواي، أقل بشاعة من حادث حرق سكرتيرة المحامي، حيث  عثر في شهر سبتمبر الماضي على جثة عامل ملقاة بالزراعات، رجحت التحريات أول الأمر أنه ربما تكون الحادثة بغرض السرقة، حيث كان المجني عليه عائدًا من عمله بمحافظة البحيرة.

بعد أسبوعين توصلت تحريات المباحث، إلى وجود علاقة عاطفية  بين زوجة المجني عليه وابن خالته، إسماعيل. م. ح. 22 سنة، طالب جامعي.

واعترفت زوجة المجني عليه أمام المباحث ، بأنها تخلصت من زوجها بالتخطيط مع عشيقها، الذي تربطها به علاقة عاطفية، مضيفة أنه بعد توطيد العلاقة بينهما، طلبت من زوجها الطلاق عدة مرات بحجة معاملته السيئة لها، فرفض، فقررت التخلص منه بالتخطيط مع عشيقها، والذي استدرجه استدراجه إلى الزراعات أثناء عودته من العمل خلال إجازة عيد الأضحى، وانهال على رأسه بعصاه غليظة حتى أنهى حياته.

الموت طعنًا

جريمة أخرى لا تقل بشاعة وقعت في الثالث والعشرين من شهر يوليو، بقرية جرفس التابعة لمركز سنورس،  عندما قام زوج بطعن زوجته عدة طعنات بالبطن، والرقبة، والظهر ” بمطواة، بسبب خلافات زوجية بينهما، وعلل المتهم جريمته في التحقيقات حينها بقيام زوجته بسبه، لتجسد الواقعة مشهدًا واضحًا من مشاهد العنف الأسري والعنف ضد المرأة بشكل خاص.

ذبح

استيقظت قرية قصر الباسل بمركز إطسا، على حادثة مرعبة، أثارت ذعر بين الأهالي، الذين عثروا فجر السابع والعشرين من شهر أكتوبر الماضي على جثة مسن مذبوحًا في منزله، التحريات التي استمرت على مدار يومين، توصلت إلى أن أحد أحفاد المجني عليه، طالب ثانوي،  ويبلغ من العمر 17 عامًا، كان يتردد بكثرة على منزل جده، واعتاد البيات فيه، بدعوى رعايته، فلاحظ الجد اختفاء بعض الأموال، فشك في حفيده، وأبلغ الجد والده، وبدأ أمره يفتضح بين أقاربه وأهالي القرية، وبمواجهته اعترف  بذبح جده، انتقامًا منه بسبب فضحه.

هشم رأس أبيه

هشم  رأس أبيه، بعدما انهال عليها بعصاةٍ غليظة، وبقلب أشد وأغلظ، قبل أيام من نهاية العام، ليمنعه من بيع أرضه، خوفًا من تبديد ثمنها، بعد مشادة بينهما، في مشهد تجرد من أي معنًا للإنسانية.

أسباب متنوعة

وعن الأسباب الاجتماعية التي تقف وراء ارتكاب مثل هذه الجرائم، يقول رمضان الليموني، الباحث الاجتماعي: إن محاولة البحث عن دوافع الجريمة وأسبابها، محاولة محفوفة بالكثير من الصعاب والتصورات المختلفة لاختلاف مجال تناول هذه الظاهرة من قبل العلوم المختلفة في الطب وعلم النفس والفلسفة وعلم الاجتماع والقانون… إلخ، وبرغم وجود هذه الظاهرة منذ خلق الإنسان على الأرض إلا أن دوافعها تختلف زمنيا ومكانيًا.

فقر وأزمات اقتصادية

ويردف في الوقت الحالي يمكن تفسير ارتفاع معدل الجريمة إلى ذلك الخلل في منظومة القيم والتشوّهات التي أصيبت بها الطبقات الاجتماعية نتيجة الأزمات الاقتصادية وتفاقم الفقر الذي يعاني منه المجتمع خاصة في المناطق الريفية المهمّشة والنائية وهي أزمات ساهمت في ارتفاع معدل قابلية العنف والتطرف الفكري وتنامي الشعور بالحرمان وعدم المساواة وإصابة القيم الاخلاقية والاجتماعية بالكثير من السلوكيات غير السويّة، وهو ما قد يفسّر سبب ارتفاع معدل الجريمة من قبل فئة الشباب والقصر.

العنف الأسري

العنف الأسري الذي يتعرض له  الأبناء  أو مشاهدتهم للعنف الزوجي المستمر أو لشعورهم بالتمييز، والذي يخلق آثاراً نفسية في حياة الأبناء الاجتماعية تؤدي إلى الاضطراب السلوكي نتيجة الحرمان العاطفي، يبرر من وجه نظر الليموني، ارتفاع معدل عنف الأبناء ضد الأباء.

ويضييف الليموني، بشكلٍ عام تعود أسباب ارتكاب الجريمة في أي مجتمع نتيجة شعور الأفراد بتراجع سلطة القانون وارتفاع معدلات البطالة والخلل الحادث للقيم الاجتماعية والدينية، والعنف الأسري والعنف المدرسي والشعور بغياب العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع وغياب الممارسات الديمقراطية السليمة، والشعور بفقدان الأمان بمفهومه البوليسي والاجتماعي، مما يؤدي في النهاية إلى خلق فرد غير منتج وفاقد للثقة الذاتية مما يؤثر سلباً في علاقاته بجميع أفراد المجتمع داخل وخارج الأسرة.

دراسته ضرورة

ويؤكد الليموني، أنه لم يعد الاهتمام برصد تأثير هذه الأسباب وتداعياتها من قبيل الترف الاجتماعي بل أصبح ضرورة ملحة لحماية المجتمع من الجريمة والسلوكيات العدوانية بين أفراده والتي تحتاج بشكلٍ عاجل وسريع إلى تفاعل مؤسسات الدولة خاصة المنوطة بالخدمات الموجهة للشباب مثل وزارة الشباب والرياضة والتربية والتعليم والتعليم العالي والأوقاف والثقافة والصحة فهذه المؤسسات لديها العديد من البرامج المجتمعية المهمّة وغير المفعلة فحتى الآن لم تقم التربية والتعليم والتعليم العالي بتنفيذ برامج تربوية تساهم في نشر القيم والمبادئ السويّة واكتساب الشباب لقيم الحوار وقبول الآخر، وهي خطوات تأخرت كثيراً خاصة في ظل ارتفاع ظاهرة التطرف الفكري والديني في الآونة الأخيرة.

فوضى العلاقات

ويقول الحملاوي صالح، أستاذ علم النفس، أن انتشار الجريمة داخل الأسرة ورائه جملة من الظروف التى يمر بها المجتمع المصري حاليا: من فقر وجوع وبطالة، وهشاشة تعليم، وإعلام مدمر لكل القيم والتقاليد التي يفترض أن تسهم في تنشئة الفرد تنشئة سليمة، ففي المجتمعات الأكثر فقرا وأمية مثل مجتمع الفيوم،  يرى أن القتل يكاد يصبح الآن عادة من العادات، والأسباب متشابكة وأهمها الضغوط الاقتصادية التي تلعب دورًا أساسيًا فى معدلات ارتفاع الجريمة، والتي وصلت لمعدلات غير مسبوقة

بسبب انتشار وبزوغ أمراض الأسرة من : تفكك أسري ، وفوضى العلاقات الاجتماعية، خاصة بين الأجيال الحالية التي  لم يتوفر لديها حالة من الاستقرار النفسي لأنها ليست  بمعزل عن الصراعات السياسية والاقتصادية، فهم عاطلون عن العمل، والمستقبل مظلم، ولا أمل في أي شيئ؛ ما أدى بهم إلى درجة من اليأس وصلت لتدمير الذات، فأصبح الموت بمثابة إزاحة عدوان من الفرد إلى من حوله، سواء كان ابنا أو زوجا أو زوجة،  مضيفًا: المستقبل يحمل الأسوء، وهو ماينذر بكوارث وجرائم سترتكب  مستقبلا بطريقة أبشع.

الوسوم