في اليوم العالمي لمكافحة الانتحار.. الدوافع وقصص أخرى شخصية

في اليوم العالمي لمكافحة الانتحار.. الدوافع وقصص أخرى شخصية أرشيفية - الإنتحار

تحيي منظمة الصحة العالمية في العاشر من شهر سبتمبر في كل عام اليوم العالمي لمكافحة الانتحار. وقالت المنظمة في بيان صادر لها اليوم أن الانتحار تحول إلى ظاهرة عالمية، إذ لا يحدث في البلدان المتقدمة والمرتفعة الدخل فحسب، بل في كل أقاليم العالم.

وبحسب البيان فهناك أكثر من 800 ألف شخص يلقون حتفهم سنويًا كل عام منتحرين، وأن أكثر من 78 % من حالات الانتحار تحدث في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، ما اعتبرته المنظمة ثاني أكبر أسباب الوفاة لمن تتراوح أعمارهم بين 15 إلى 29 عاماً.

وفي السطور التالية، تجري “ولاد البلد” تحقيقا استقصائيا، استعانت فيه بخبراء ونفسانيين لمحاولة الوقوف على أسباب الظاهرة وإلى أين يتجه الشباب في مصر.

تقارير حكومية

تقول آيات عبد الله، باحثة في علم الاجتماع بجامعة الفيوم، إن ظاهرة الانتحار انتشرت في الآونة الأخيرة على خلفية الفقر الذي يسيطر على الأسر، وأن آخر دراسة خرجت بها في بحث أجرته لرسالة الماجستير على المناطق الأكثر فقراً تمثلت في 12 قرية أكثرهم من مركز يوسف الصديق كان على رأسهم قرية الخالدية.

كشف الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، في إعلان نتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك، أن نسبة الفقراء عام 2015 هي الأعلى منذ عام 2000 بنسبة 27.8%، وأن نسبة الفقراء زادت من 16.7% في عام 1999/ 2000 إلى 21.8% عام 2008/ 2009 ثم 25.2% عام 2011 ثم 26.3% عام 2012/2013 ثم 27.8% عام 2015.

أشار التقرير إلى أن 10.8% أكثر من 11.8 مليون مواطنا في أدنى فئة إنفاق في مصر، حيث يبلغ معدل إنفاق الفرد سنويا أقل من 4 آلاف جنيه سنويا، أي أقل من 333 جنيه شهريا.

 

وتطالب “عبد الله”، الجهات المسؤولة بضرورة وضع قيود على الصيادلة لبيع حبوب القمح السامة التي تودي بحياة المواطنين، وكانت هذه الحبوب السامة إحدى وسائل الفتيات للتخلص من حياتهن، نتيجة مشكلات زوجية، كما حدث في مركز يوسف الصديق منذ عام، عندما أرسلت إحدى الزوجات ابنتها التي لم تتجاوز الست سنوات إلى الصيدلية لشراء حبوب “سوس القمح السامة” بهدف الانتحار، وأحضرت الطفلة الحبوب لوالدتها من الصيدلية بعد حوار بسيط روته الفتاة الصغيرة للنيابة أثناء التحريات قائلة نصاً” سألت ماما هي حبوب السوس مش بتموت فردت والدتى السوس اللي في العيش وإحنا بنخبز مش بيموت”

ومن الحب.. ما قتل

وتروى “فاطمة، ج، د”، جامعية، إقدام أخيها على الانتحار بعد أن فشل في الارتباط بفتاة، ولم يستطع تدبير نفقات الزواج، ما اعتبرتها شقيقته مبالغا فيها، وتسببت في إقدامه على قطع شرايين يده بالموسيّ.

عبد الرحمن محمد، جامعي، يقول أن الشاب يتخذ  قرار الانتحار دون أن يخبر أحد، عند عجزه التام تدبير حلول لمشكلاته، ونشوب صراعات نفسية بداخله، يعجز عن حلها، فيلجأ للهروب منها عن طريق الانتحار، بشتى طرقه.

وتابع: ” أنا كشاب في الجامعة أصارع ظروفا صعبة، فبين المحافظة على الارتباط بمن أحب، وبين الدراسة الجامعية، وتكوين المستقبل، وقضاء الخدمة العسكرية، تضيع الكثير من الآمال، ما يدفع الشباب إلى الانتحار.

تداول رأس المال

لكن الأمر تجاوز هذا الحد بكثير، فعلي عبد التواب، الخبير الاقتصادي، يرجع ظاهرة الانتحار، إلى ظروف اقتصادية، وفشل في تكوين ثروة، أو رأس مال، يساهم في تغيير شكل المستقبل، لدى كثير من الشباب ممن يمرون بتلك الظروف الصعبة، وقد يلجئوا للانتحار عند العجز عن سداد دين مثلا.

في السياق ذاته، فقد نشرت “ولاد البلد” خبرا بإقدام “شيرين” بقرية طبهار، على الانتحار، بسبب خوفها من الفشل في تسديد دينها لمالك إحدى محلات بيع الأجهزة الكهربائية، وضعف ميزانيتها وعدم القدرة على سداد أول قسط، ما ألجأها للانتحار، خوفا من الزج بها في السجن، حسب رواية الأهالي وقتئذ.

“عبد التواب” يؤكد على ضرورة عدم تعميم الدوافع الاقتصادية كعامل أساسي لانتشار ظاهرة الانتحار وتجاهل الظروف الاجتماعية الأخرى.

الطريق إلى الانتحار

فيما يرى الدكتور الحملاوي صالح، أخصائي علم النفس، والعلاقات الأسرية، أن عدة ظروف نفسية تسيطر على الإنسان أبرزها الإحباط والاكتئاب باعتبارهما العامل الأساسي في تفعيل نمط اليأس من العيش، تحت ضغط نفسي وصراعات دائمة قد تصيب الإنسان بالصداع الدائم، مما يجعل الإنسان ينفر دائما ويتمرد على المجتمع الذي يعيش فيه ويضطره للانتحار، معلقاً على أن تعاطى الكحوليات من أبرز المشكلات والدوافع للانتحار.

ويربط صالح بين وسائل الإعلام من سينما ومسلسلات باعتبارها إحدى العوامل النفسية التي تصور الشخص الذي يحاول الانتحار سيحاول بذلك التخلص من الهموم والمشكلات التي تواجهه.

التاريخ.. ومنظور اجتماعي

ويرى رمضان الليموني، باحث اجتماعي، إن تحليل ظاهرة الانتحار من زاوية تاريخية، يظل تحليلاً ضيّقاً ومحدود الأفق بسبب أن معظم المعطيات التي يمكن الحصول عليها لأعداد المنتحرين داخل مجتمع ما تظل تقديرية وتقريبية خاصة في دول العالم الإسلامي وذلك لاعتبارات دينية وثقافية، وبالتالي فإن الأسباب النفسية والاجتماعية الشائعة والمعروفة بالاضطراب ثنائي القطب واضطرابات الشخصية والاكتئاب الناجم عن المشكلات الحياتية يمكنها فقط تشرح أسباب الإقدام على الانتحار للحالات الفردية التي يمكن معرفتها، وهو ما أدى إلى إرجاع الظاهرة مرة إلى العوامل النفسية، ومرة إلى المحددات العرقية وإلى الأسباب الاقتصادية وإلى الاعتبارات الاجتماعية المرتبطة بالهشاشة والفقر والعوز وإلى التفكك الأسري والعائلي وإلى تراجع دور الدين في تأطير المجتمع ،ولكن أشار أميل دور كايم منذ أكثر من قرن أنه ” لا يمكن فهم الاجتماعي إلا بما هو اجتماعي.

يؤكد الليموني على أن فهم الظاهرة لا يتحدد إلا في إطار تحليل الظروف الاجتماعية الدافعة إلى الانتحار” وهو ما يؤكد على ضرورة الوقوف على المتغيرات الاجتماعية التي تعايشها الأجيال المتعاقبة، فكل جيل يعايش ظروفاً ومتغيرات اجتماعية ناجمة عن الأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية التي تؤثر أولاً في درجة شعور الفرد بالاغتراب والانتماء وفي درجة الشعور بتقدير الذات وقدرة هذه الأجيال على تحقيق نجاحات على المستوى الشخصي وعلى المستوى الاجتماعي العام، كما أنها تؤثر في شعور الفرد بأهمية دوره في إحداث التغيير الاجتماعي الذي يتطلع إليه.

سن مناسبة للانتحار

ولذا فإن مجمل الإخفاقات التي يشعر بها الأفراد على المستوى الشخصي وعلى المستوى الاجتماعي العام تصبح مسببات أساسية وفاعلة وخطيرة في الإقدام على الانتحار، خاصة إذا تلاقت بقوّة المسببات الفردية مع المسببات الاجتماعية العامة فإن الأمر يصبح أكثر خطورةً لأنه قد يتحول من حالات فردية في فترات زمنية متباعدة إلى حالات فردية أيضاً لكن تكاد تكون دوافعها وظروفها متشابهة وفي فترات زمنية متقاربة، وهو ما لا يتم الكشف عنه في شكل إحصاءات أو رصد حتى لا يسبب ذلك نوعاً من تهديد السلم والأمن الاجتماعيين.

ولا يضع “الليموني” سنا مناسبا أو شائعا للانتحار، ما يعده جائز لكل سن، ولم يعد يتقيد بالأمراض المزمنة لدى كبار السن، وبين الشباب فهناك وسائل تواصل كثيرة لا يشعر فيها الخص بأنه وحيد، أو غريب ومنعزل.

 

الوسوم