فى رحيل المناضل أحمد جودة

فى رحيل المناضل أحمد جودة
كتب -

الفيوم – رجب أبو الحارث

مرت منذ أيام اليوم الذكرى السنوية لرحيل الكاتب والصحفى والمناضل السياسى أحمد جودة في 24 مايو 2005 على طريق بحيرة قارون، حيث أنه أثناء عودته إلى منزل الأسرة حدث انفجار فى أحد إطارات السيارة، وتكون النهاية، نهاية صحفى عمل بالصحافة منذ أن كان طالبا جامعيا  فقد عمل فى صحيفة الدستور الأردنية والشرق الأوسط إلخ وقبل رحيله عمل فى صحيفة الأهالى ورئيس تحرير صحيفة التجمع ومحرر بفضائية “mbc” فى لندن، وقد انتج الراحل كتابين الأول “بوليس وثقافة” والثانى “حوار حول الشريعة”، ورغم رحيل أحمد جودة، فما زال الكثير من الأصدقاء والرفاق فى درب الفكر الاشتراكي يذكرونه بكل الخير ويدعون له بالرحمة عند رب العالمين، لقد كان أحمد جودة نموذج فريد من الوعى والثقافة . فهو الطفل المختلف فى الحى الذى لديه مكتبة، وهو ذلك الطفل الذى  قرأ أغلب كتب مكتبة بيت الثقافة بالمدينة كان يقول لي الرف رقم 3 لكتب نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس، والرف الآخر أعمال كارل ماركس والآخر صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازى.

لا أنسى له أنه من علمنى فى الطفولة لعبة البوكس، وفى مراحل نضوج الشباب أخذنى أنا والصديق هشام جعفر وحرر لنا أول استمارة عضوية للشباب فى حزب التجمع، وقبل هذا التاريخ بعامين كنت انتمى فكريا للتيار السلفى بالفيوم، وكانت المعركة الفكرية بشكل يومى مرة مع صديق الطفولة هشام جعفر، وأخرى مع أحمد جودة لدرجة أنى كنت أمر من أمامهما ولا القى السلام، حينها وبفضل الأفكار التى حشيت بها رأسى كنت أعتقد أنهما كافرين.

لكن حبهما لي حال بينهم واليأس منى ومن محاولة خلعى من هوة هذا الفكر ، لقد كانت شقة أحمد جودة فى القاهرة، بمثابة بيت العائلة الكبير لنا، كان يقترض النقود من عصام ويصرفها معي ثم يعطيها له بعد أيام، كانت شقته تجمع كل الرفاق والأصدقاء  صفوت موسى وهشام جعفر وعصام أحمد والشيخ حنفى، ومحمد السيد إسماعيل، ومحمد حسبالله ومحمد السنى، ورجب الصوفى، ورجب بدوى، ومصطفى شيلابى، ورضوان موسى، وأحمد عبدالقوى وآخرين. وكان كل هؤلاء يجمعهم موقف أو حوار سياسي أو حكاية مع “جودة”.

تتفق أو تختلف مع “جودة”، لكنك فى النهاية لا تملك إلا أن تحبه ومن حسن حظى أنى كنت أعرف عنه الكثير من الأسرار منذ الطفولة. وكنت أداعبه وأقول له “عارف يا أحمد أنت لو مش صحفى كنت ها تبقى إيه؟ فكان يقول قول يا رجوب. فأقول له كنت ها تبقى قاتل بدون آجر”. آخر مرة قلت له هذا التعبير كان فى لندن وقال لي: “والنبى يا رجوب ما تقول كده قدام خطيبتى. ماشى يا أحمد يبقى سيبنى آكل الطماطم اللى فى جنينة الفيلا. يا عم كل براحتك مش مهم نعمل سلطة”. فى نهاية مرحلة الطفولة كان أحمد لديه قدرة على معرفة بعض أسرار علاقات الحب والجنس بين شباب وشابات، فقد كان أحمد شغوفا بالروايات البوليسية وتتبع الحكايات والقصص.  وكنت أنا أعمل فى مكتب للمحاماة، كان يمر من أمام المكتب الذى أعمل به ويرمى ورقة،لا أفتحها إلا بعد أن يبتعد كما كان يحذر، لأجد بهذه الورقة الموعد الغرامى بين شاب وفتاة، بعدها كنت أبلغ هشام جعفر ونقوم بمهاجمة اللقاء الغرامى فى موعده المحدد، ولا نذهب إلا بعد أن يفشل اللقاء وإذا استمر الحبيبين فى التواصل نلجأ الى المنشورات السرية، فيصحو سكان المدينة على كمية كبيرة من الأوراق الملصوقة على الحوائط وبها اسمى الحبيبين. فى مرحلة التعليم الثانوى كان أحمد يكره كرة القدم، مرة تجمع بعض الشباب يلعبون أمام أحد منازل المدينة ولم يشكو صاحب المنزل إلا لوالد احمد رغم أنه لم يكن يلعب وكان يجلس على سور المنزل فقط، وكانت نتيجة شكوى الرجل صفعة على وجه أحمد من والده، بعدها بأسبوع التهم حريق المحصول السنوي لصاحب المنزل والفاعل مجهول.

وأذكر حينما حدثت مشاجرة بين أحمد وصديقه سعيد، وأنتصر فيها أحمد ، فاستعان سعيد بكلب الأسرة البوليسى، الذى كان من نوعية نادرة ومدرب تدريب جيد، لقد ظل الكلب يطارد أحمد أكثر من 800 مترتقريباً حتى قضمه فى قدمه، وكان نصيب أحمد جودة 21 حقنة فى البطن وبعد انتهاء مدة الحقن، سافر الكلب للعالم الآخر ولم يعود ولم تعرف الأسرة سبب الوفاة. ويسافر أحمد إلى القاهرة كلية دار العلوم وينضم إلى صفوف اليسار ويعمل صحفى بالقطعة ليبدأ رحلة أخرى من رحلات الحياة. أحمد جودة الغائب الحاضر عند كل محبيك رحمة الله عليك.