عم «روبي».. آخر صانع للساقية في بلد السواقي

عم «روبي».. آخر صانع للساقية في بلد السواقي
كتب -

الفيوم – منال محمود

كان يستند برأسه على حائط ورشته العتيقة، ترك الزمن آثاره على هيئة خطوط غائرة ترسم  ملامحه وسنوات العمر التي مرت على وجهه. عم «روبى» الذي تجاوز عمره سبعة عقود، هو  من أقدم صانعى السواقى فى الفيوم، والوحيد الآن بعد اندثار هذه الصناعة بفعل الحداثة وانحسارها الآن في ورشته التى توارثها عبر أجيال.

تقترن الفيوم بالسواقي، لأنها المحافظة الوحيدة التي اشتهرت بها وبصناعتها منذ قدماء المصريين، ويرجع ذلك لاختلاف طبيعة الأرض واختلاف مناسيبها، فتنخفض الأرض بشمالها 26 متر تحت سطح البحر، و بجنوبها 42 متر تحت سطح البحر، ولذلك كانت تدور في أراضيها السواقي.

«قديما كانت الورشة كل يوم ثلاثاء تزدحم بالزبائن من مختلف مراكز المحافظة، للبيع والشراء فى السوق الأسبوعي،  الآن لا يوجد إلا الوحدة والفراغ والحسرة علي أيام جميلة مضت» هكذا يقول عم «روبى».

ويضيف «خلاص يا أستاذة (الكار انتهى)  فين أيام زمان كانت الفيوم فيها سواقي متتعدش، وكنا فى السنة بنعمل من 10 إلى 15 ساقية، دا غير الصيانة لباقي السواقي في موسم السدة الشتوية، كان العمل في الساقية بيحصل فى الأرض اللي هيتركب الساقية فيها في مدة من 5 إلى 6أيام، ونروح من مكان إلى آخر، أنا وعائلتي كنا المسؤولين عن ذلك، أما الآن مفيش شغل ممكن ساقيه كل كام سنة، أو نعمل صيانة ساقية قديمة».

ويتابع: «عملت مع أبويا من الصغر أنا وأخواتي والآن بعد موتهك مفيش غيري، عندي ولد وحيد مشتغلش في  الشغلانة لأنها خلاص مبقتش تجيب همها، هو عنده عيال محتاجين مصاريف».

ويتحسر عم «روبي» ويتلفت بعينيه في أرجاء المكان الخاوي من الزبائن والعمال، ويقول: «كان يوجد معي عمال عندما كان هناك عمل لهم، أما الآن وبعد توقف الحال، اتجه الصنايعيهة ومن بينهم ابني و أبناء أخوتي للعمل في مهن أخري فأبنى فتح ورشة لغسيل السيارات، وأبناء أخوتي اتجهوا للعمل الحكومي أو ورش تصنيع الأثاث».

ويضيف: «مين يا أستاذه  هيعمل ساقيه تتكلف من 10 إلى 12 ألف جنيه في هذا الزمن، زمان كانت تكلفة الساقية ألفين وثلاثة بس كان الفلاح مجبر علي كده لأنه الحل الوحيد للري، أما الآن مع وجود  مواتير رفع وتأجيرها الأمر أختلف طبعا هيوفر عليه الفلوس وكمان الوقت، كما حدث مع (نوارج الدراس) الخاص  بدرس القمح والتي كانت من الأخشاب وتجرها الدواب وكنا نصنعها أيضا، ولم تعد موجودة هى الأخرى لظهور الميكنة الحديثة لدرس القمح، كما أن ارتفاع أسعار الأخشاب كان له تأثير ملحوظ ليس علي صناعة السواقي والنوارج فقط، فقد كنا نصنع مستلزمات الفلاح الخاصة بالزراعة مثل الفأس والذي يتكلف الآن من 50 إلي 60 جنيه، قل الطلب عليه بظهور الفأس الصيني الذي يباع بـ 15 أو 20 جنيه، وأصبحنا لا نعمل جديد ولكن نشتغل على تصليح القديم فقط والذي يحتاج لتجديد اليد الخشبية فقط أو لصيانة اليد القديمة التي تتكلف 4 جنيه للتصليح فقط».

سبع سواقي كانت بتنعي .. ……..علي اللي نابها من المظالم

فضلت حياتها تدور وتدعي …… الله أكبر عليك يا ظالم

هذه الكلمات لصالح جودت، وغنتها شادية في إحدي الأفلام، فصوت السواقي لمن يسمعها يثير جو من الشجن والحزن الدفين بالفعل، وأيضا صوت عم «روبي» وهو يحكي عن السواقي تلمح في عينيه بريق وحب دفين لصنعة السواقي»، وتسمع في صوته كثير من الحزن حتى أنه فى بعض الأوقات كانت تقف الكلمات منه فلا يتكلم ولكن يخبط كفيه بحركة تدل على الأسف والحزن.

يشرح عم روبي أنواع السواقي، ويقول: «ليست كل السواقي  تسمي ساقية فهناك نوعان، الأول وهى التي تسمي ساقية بالفعل والتي تصنع من خشب الأشجار وتعمل  بجر  الدواب، وهي رخيصة نسبيا لنوع الخشب وحجمها الصغير، وهذه تصلح لرى الأراضي المرتفعة التي لا تصلها المياه.

أما النوع الثاني ويسمى «التابوت» وهى الأغلى سعرا لأن الخشب المستعمل فيها يكون خشب أبيض من الموسكي أو العزيزي الغالي الثمن، لكي يكون خفيف الوزن لأنها تعمل عن طريق قوة ضغط المياه، ويصل ارتفاعها من  9 إلى 12 متر في بعض الأحيان.

و هذا النوع  يوجد الآن في ميدان السواقي  فهناك أربعة توابيت «سواقي» كما يطلق عليها بعد أن كانوا سبعة، فيما مضي ، لأن هذه المنطقة كانت أراضي زراعية هي ومنطقة المسلة الآن، والتي أصبحت جميع الأراضي عبارة عن أبراج سكنية ومحال تجارية، وأصبحت السواقي للفرجة فقط.

يقول عم «روبى»: «مينفعش أشتغل شغلانه تانية غير دى.. مقدرش أعملها، وكمان الورشة بشم  فيها ريحة جدودي، وفي سني ده هروح فين ، المهم عندي إني جوزت بناتي الثلاثة، كل اللي خايف منه المرض وأنا ماليش تأمين صحي وربنا يستر ويصلح حال البلد» “

وتركته ورائحة الورشة العتيقة العبقة برائحة الأخشاب ورطوبة الأرض الترابية المنداه بالمياه تملأ المكان، وكلماته الأخيرة ترن في أذني إلي الآن «هنعمل إيه، أدينا عايشين وربنا يفرجها»