زواج القاصرات.. جريمة يباركها الأهل

زواج القاصرات.. جريمة يباركها الأهل
كتب -

الفيوم-ولاء أبو القاسم:

فاطمة صاحبة الـ14 سنة، توفت بعد أن أصيبت بالنزيف عقب أن وضعت مولودها الأول، من زوجها الذي يكبرها بـ15 سنة.. هذه نهاية  قصة فاطمة، لكن البداية تعود إلى ما قبل هذا، عندما قبلت أسرتها بزواج طفلتهم بسبب الظروف الاقتصادية السيئة، من وجود أسرة كبيرة، في ظل دخل ضعيف لا يفي باحتياجاتها، حتى أصبح كل نفس في هذه الأسرة يمثل عبئا على كاهل عائلها، ليستجيب فور أن دق الباب بخاطب لطفلته، حتى وأن كانت لم تبلغ سن الزواج بعد.

حكاية فاطمة تتكرر كثير بين فتيات في سن فاطمة في قري مراكز المحافظة. “ولاد البلد ” تفتح ملف زواج القاصرات بالفيوم، وتبحث السبل المتاحة لمواجهتها.    

ضحايا

“زواجي ليس له علاقة بالعادات والتقاليد لا من قريب ولا من بعيد، لكن الظروف المادية الصعبة التي تعيشها أسرتي هي السبب، فأبي متقاعد وأخي عاطل ولى 6 أخوات، وأتى رجل  ثري يطلب الزواج، ونظرت بعين أبي اللي بيموت ألف مره في اليوم ولا يجد ما يسد جوع أسرته، ويتمني ستر بناته الست  قبل أن يتوفاه الله”، هكذا قالت كريمة الفتاة ذات الـ 13 سنة، والتي أصبحت أما لطفلة.

وتضيف كريمة؛ أعاني العديد من المشاكل والكثير من الصعوبات، فأنا أصبحت أم لطفلة، وواجهت مشاكل كبيرة أثناء الحمل، ولم أعد أتحمل مسؤولية الحمل ولا مسؤولية زوجي، وأخرج من صعوبات لأواجه صعوبات كالولادة والرضاعة وأشياء لا تذكر.

ويقول والد كريمة: “الشباب عاطل فكيف يتقدم للزواج، وأنا لا أبرر هذا الزواج وكنت ضده، لكن الفقر والظروف التي تهد الحيل”، ويضيف: “أعترف بأن ابنتي مرت بمخاطر صحية شديدة وهي لا تدرك معني المسؤولية ولا كيف تعيش مع زوجها، لكن ست بنات في رقبتي، كل ما تخرج واحدة من البيت  للزواج أحس أن حملي بيخف”.

أما فاطمة، التي توفت بعد أن أصيبت بنزيف عقب ولادتها لابنها، فقد كانت تعيش في أسرة كبيرة مكونة من 11 فردا يسكنون منزلا متهالكا مكونا من ثلاث غرف.. تقول أمها فرحة: “كان عمر فاطمة 14سنة، تقدم لها شاب كان أكبر منها بـ 15سنة، وتم الزواج ويا ليته ما تم.. ندمانة أشد الندم لتزويجها في هذه السن، تعبت كتير في الحمل أثناء متابعتها مع الدكاترة، وأثناء الحمل قالت لي الدكتورة إن الأعضاء الداخلية  لها صغيرة ولا تحتمل عبء الحمل والولادة وصارحتني بأن فاطمة قد تتعرض لمضاعفات وهي غير مسؤولة لو توفت أثناء الولادة، وبالفعل بعد أن أنجبت فاطمة ابنها حدث لها نزيف أدي إلى وفاتها”.

وتشدد الأم أنها لا تفكر في تكرار تجربة الزواج المبكر لأي من بناتها مرة أخرى قائلة: “حتى لو هاشحت عشان تفضل بناتي أمام عيني عايشين”.

مخاطر صحية

ويؤكد الدكتور إيهاب شعبان، اختصاصي النساء والتوليد بمستشفي الفيوم العام، أن زواج القاصرات له مخاطر صحية وجسدية، لكون البناء الجسدي للفتاة الصغيرة غير مكتمل، ويعنى ذلك عدم استعداد أجساد هؤلاء القاصرات لدخول تجربة كالزواج وما قد ينجم عنها من حمل وولادة، وحدوث اضطرابات في الدورة الشهرية، موضحا أن الخطورة تزيد في حالات الولادة المبكرة، وحصول حالات إجهاض وحدوث نزيف أثناء الولادة ما ينتج عنه حالات وفاة.

دور المجتمع المدني

وعن دور المجتمع المدني والعمل الأهلي لمواجهة هذه الظاهرة في الفيوم يقول عماد محمد عبدالعاطي، مدير الجمعية العربية للتنمية البشرية، إن الجمعية تواجه تلك الظاهرة من خلال إعداد لقاءات وندوات تجوب القرى وبعضها يعقد بمقر الجمعية للتوعية بخطورة ظاهرة زواج القاصرات، مشيرا إلى أن الجمعية تعتبر أن أساس مشكلة زواج القاصرات متعلق بالوضع الثقافي قبل أن يكون اقتصادي.

ويضيف؛ أن الجمعية تعمل بطاقات الرقم القومي للفتيات القاصرات اللائي تزوجن، بالإضافة إلى المساعدة في  توثيق العقود وتقديم جانب توعوي للفتاة القاصر كأم، وللأمهات حتى يعرفن مخاطر هذا الزواج، كما تعد برامج مكثفة في المناطق التي تكثر فيها هذه الظاهرة، وتنشئ مراكز تدريب لتعليم الفتيات وتوفير فرص عمل لهن، كما تحفز المواطنين للإبلاغ عن حالات الزواج المبكر.

وتشير ليلي طه، مقررة المجلس القومي للمرأة، إلى أن زواج القاصرات جريمة يعاقب عليها القانون، وهو ضد جميع المواثيق والاتفاقات الدولية التي وقعت عليها مصر، كما أنه يعد انتهاكا لحقوق الفتيات القصر وشكل من أشكال العنف الموجه ضدهن، وتدعو الجميع إلى التضامن للعمل على إيقاف هذا الاعتداء السافر على حق الفتيات في عيش طفولة سليمة وعدم اغتيال برائتهن.

أما فيما يتعلق بجهود المجلس القومي للمرأة بالفيوم فتقول؛ نواجه الظاهرة عن طريق التوعية في مراكز الشباب والنوادي وأماكن التجمعات وخاصة في الريف، وتوعية الأمهات بخطورة الزواج والقضاء على هذه الظاهرة، ومن خلال دراسات وبحث المجلس، وجد أن الظاهرة تنتشر في قري البراني، والصعايدة، والعقيلي، والشواشنة، والمقراني، ومنشأة الجمال، والمظاطلي، والروضة، وطامية، وشعلان، وسنهور، ونحن ضد هذه الممارسات، لأنهم يتعاملوا مع البنت كسلعة”.

وتضيف؛ هذه الممارسات تحرم الطفلة من التمتع بطفولتها وتحرمها من إكمال تعليمها وهذه جريمة، والمجلس القومي دائمًا يطالب بسرعة التحقيق والقبض على كل الأطراف التي شاركت فيها، حتى يكونوا عبرة لمن يفكر في القيام بهذا الفعل، لكن  تعقب قائلة: “للأسف مافيش قانون ينفذ إلى جانب التزوير الذي يعطي للبنت سن أكبر من سنها”.

وحول هذا الوضع القانوني لزواج القاصرات، يوضح ربيع ميزار عبدالمجيد، محامي، أن قانون العقوبات به ما يكفي لمنع هذه الجريمة، لكنه يؤكد في الوقت نفسه على أن منعها، لا يتم بالقانون فقط، بل بمواجهة شاملة في التعليم والخطاب الديني والثقافة، حيث أن هذه الجريمة تتعدد الدوافع لدى مرتكبيها، وقد يكون الجانب الاقتصادي أهمها لكنه ليس هو الدافع الوحيد، لذلك لابد من مواجهة هذه الظاهرة برؤية أوسع وشمولية لا تتعامل من جانب قانوني وتترك الجذور الاجتماعية أو الدينية أو غيرها من الأسباب.