زواج الأقارب يصيب أطفال الفيوم بـ”التوحد”

زواج الأقارب يصيب أطفال الفيوم بـ”التوحد”
كتب -

الفيوم – رانيا جودة

أثبتت دراسة ميدانية حديثة أجرتها مؤسسة مصر الخير أن نسبة الإصابة بمرض “التوحد” أو “الأوتيزم” في قرية “سنرو البحرية” التابعة لمركز أبشواى وصلت إلى 15% بين سكان القرية، بسبب انتشار زواج الأقارب وما قد يسببه من أمراض عديدة ومنها التوحد.

وفي هذا التقرير تحاول “الفيومية” تسليط الضوء أكثر على مرض “التوحد” وأسبابه ومظاهره وكيفية التعامل مع المصاب به، وسر انتشاره في محافظة الفيوم كمثال لمحافظات مصر الريفية.

20 عائلة في قرية واحدة

في البداية تقول آية اسحاق شعبان، باحثة اجتماعية ومنسقة نشاط اجتماعى فى مؤسسة مصر الخير: المؤسسة كثّفت من عمل الندوات والأنشطة للبحث وراء هذا المرض، وبعد عمل دراسات كافية من قبل أطباء متخصصين وجدنا أن أكثر الأطفال عرضة للمرض هم أبناء الأب والأم الأقارب، وأوضحت الدراسة الميدانية التى أجريت فى قرية سنرو البحرية، أن 20 عائلة تمثّل نسبة 15 % من سكان القرية تعانى من هذا المرض، وجميعهم تربط صلة قرابة بين الأم والأب، فبدأنا بعمل ندوات تعريفية لهذا المرض بوجود سيدات ورجال هذه القرية ونالت تفاعلا كبيرا ولكن مازال الكثير لا يؤمن بخطورة زواج الأقارب وخاصة فى المرحلة المبكرة من العمر.

وعن كيفية التعامل مع هؤلاء الأطفال التوحديين تعليميا في الفيوم قالت ثناء أحمد أمين، مدير إدارة التربية الخاصة والمسئولة عن لجنة دمج الأطفال المعاقين: فصول الدمج لا تشمل مرضى “التوحد” بل يتم تحويلهم إلى المدارس الفكرية، أما فصول الدمج فهي تنقسم إلى دمج جزئى وأخرى كلى، والأطفال الذين يلحقون بفصول الدمج الجزئى هم من ذوي الإعاقة البسيطة، وتشمل ضعف البصر وضعف السمع، والدمج الكلى ينحصر فى الإعاقة الذهنية الكاملة، ويوجد بالمحافظة 25 فصل دمج موزعة على المدارس الحكومية فى بعض قرى ومراكز المحافظة.

أما جيهان محمود، أخصائية نفسية بالمدرسة الفكرية بمدينة الفيوم، فقال: نسبة وجود أطفال مصابين بمرض التوحد في المدرسة الفكرية بسيطة، وذلك راجع لأن أكثر الحالات موجودة فى الريف، لذلك يصعب عليهم الانتقال أو إلحاقهم بالقسم الداخلى، وهؤلاء الأطفال تتم معاملتهم بصورة بسيطة سلسة على قدر الإمكان، والأطفال الذين يصاحبهم عدم الإدراك الحسى يتم التعامل معهم عن طريق جذب الانتباه نظرا لإعاقتهم الذهنية، ونجد أطفالا توحديين يصاحبهم مرض الشذوذ الجنسى، وذلك نظرا لظروفهم الاجتماعية البسيطة، وعند استدعاء ولى الأمر نجد أن الأسرة بأكملها تعيش فى غرفة واحدة وهذا ما يدفع الطفل التوحدى للإحساس بالشذوذ!

زواج الأقارب.. المتهم الأول

واقترابا من الحالات المصابة بمرض التوحد في قرية “سنرو البحرية” قالت أمل عزت، المتزوجة منذ 15 عاما من ابن عمها ناصر أحمد البكرى، ولديها طفلان مصاحبان لهذا المرض: بعد مرور ثلاث سنوات على الزواج بدأت تظهر أعراض هذا المرض على أول أطفالنا، وهى عدم الإدراك والصمت الكثير المصاحب بهدوء وثبات، وعدم تفاعل الطفل مع أى شيء، وعندما عرضناه على الطبيب شخّص الحالة بأنه طفل توحدى، وذكر أن السبب فى ذلك صلة القرابة التى بيني وبين زوجها، فانتابني التخوف ولكن قلت إنه حالة استثنائية، لكن بعد مرور عدة أعوام تكرر نفس الحال مع الطفل الثانى، وتسبب هذا الوضع فى انفصالي عن زوجي الذى لم يقتنع بأن زواجهما وهم أقارب فى عمر مبكر سببا فى إصابة طفلينا بالتوحد.

وذكرت كذلك السيدة سعدية عبد الوهاب أن نجليها محمد وأحمد عيد صادق يعانيان من مرض التوحد والذى ظهرت أعراضه فى مرحلة المراهقة، موضحة أن أعراض المرض غامضة، وأنهما فى طفولتهما كانا يعانيان فقط من ضعف السمع والبصر، وألحقتهما بالمدرسة الفكرية، لكن سرعان ما تطورت حالة المرض وبدأت تظهر عليهما أعراض ضمور كلى حتى إصابتهما بالإعاقة الكاملة، وهما الآن قعيدا الفراش.

وتستكمل الحديث رحلة المرض الصعية السيدة نورة جابر سعد، المتزوجة من ابن خالها منذ 13 عاما، والتي يعاني أطفالها الأربعة من التوحد، وتروى لنا مأساة المرض المصاحب لأطفالها منذ عمر ثلاثة سنوات، وأدى إلى إصابتهم بإعاقات حسية وذهنية، حتى شخّص الأطباء الحالة بأنهم توحديون، لتبدأ معاناتها فى صعوبة التعامل اليومى مع أبنائها الذين لا يستطيعون الحركة ولا الكلام، ما أصاب منزلها بصمت شبهته بالمقابر، وتقول: أشتاق للعب الأطفال وسماع صوتهم.

أما السيدة فتحية نبوى خلف، المتزوجة من ابن عمتها، ولديها ابنة تعانى من عدم الإدراك الحسى وضعف البصر، فتقول: لم أذهب لطبيب يشخّص الحالة وكبرت ابنتى وزوجتها فى عمر مبكر لابن أخى، وبعد مرور أربعة أعوام على زواجهما أنجبت طفلا يصاحبه نفس المرض الذى تعانى منه أمه، وسألنا عن السبب عندما عرضنا الطفل على الطبيب الأخصائى، فقال إنه مرض وراثى اصطحبه من الأم أثناء الحمل.

وتذكر فتحية أن أول سؤال طرحه عليها الطبيب هل الزوج قريبك أم لا؟ وبدأت فى عمل تحاليل وفحوصات أثبتت أن السبب الرئيسى لحدوث هذا المرض هو زواج الأقارب.

وتذكر حنان محمد، متزوجة من أحد أقاربها، أن ثمرة هذا الزواج 3 أطفال أحدهم يعانى من سيولة فى الدم، والآخر يعانى من ضمور وضعف فى البصر، وأن هذه الحالة أصابت العائلة بذعر كبير، وبعدها منعوا زواج الأقارب.

وفي المقابل وعلى الرغم من التأكد من خطورة زواج الأقارب قالت السيدة ناهد وهبة إن زواج الأقارب من العادات والتقاليد التي لا يمكن التخلص منها وخاصة فى الريف، مؤكدة أن لديها ابنة وحيدة ستزوجها لابن أخيها، معتبرة أن ذلك الأفضل لها بدلا من أن يكبر عمرها وتصبح عانسا!

إعاقة أم مرض؟

تقول كاريمان محمود، ماجستير فى مرض “التوحد”: التوحد إعاقة نمائية أى أنها تنمو مع الطفل وتظهر أعراضه الأساسية في السنوات الأولى من عمره، وتتمثل هذه الأعراض في ضعف جانب التواصل وقصور في المهارات الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي مع وجود سلوكيات تكرارية غير وظيفية، كما أن الأطفال الذين لديهم اضطراب في التوحد لديهم قصور في الجوانب الإدراكية، بمعنى أن نسبة الذكاء لديهم منخفضة، كما تظهر اضطرابات فى الجهاز السمعى والبصرى ويصاحب بإعاقة عقلية بنسبة 25%. ومن الأعراض الأساسية للطفل التوحدى هى عدم الإدراك، بمعنى أنه لا يدرك إحساس تواصل أعضاء جسدة بباقى أعضاء الجسم، أى أنه يشعر بأنها منفصلة لا علاقة لها بإحساسه الجسدى.

لا علاج!

ويؤرّخ الدكتور أحمد اللباد، دكتور أمراض المخ والأعصاب للمرض، لبدايات التعرف على المرض، فيقول: مرض “التوحد” تم وصف أعراضه الأساسية وتصنيف الأطفال على أنهم توحديون عام 1943، بواسطة عالم النفس الأمريكي ليوكانر، لكن التوحد موجود كإعاقة أو اضطراب منذ وقت أبعد، حيث كان يخلط بينه وبين كثير من الاضطرابات العقلية والنفسية كالذهان الطفولي وما إلى ذلك. والتوحد إعاقة أكثر من كونه مرضاً، فهو إعاقة نمائية قد تستمر مدى الحياة، ورغم أنه في الطب يصنّف على أنه مرض لكن ينظر إليه من الناحية النفسية والتربوية على أنه إعاقة، وهذا يعني استمراريتها مدى الحياة حتى لو تحسّنت، وإلى الآن لا يوجد له علاج طبي.