هكذا نصرّ على التعامل مع المرأة في مجتمعنا، وهكذا نستمرّ في صناعة الانتكاسات المتتالية للرجوع إلى العصور الظلامية في وأد المرأة وقهرها والنيل من وجودها في الحياة.

منذ أيامٍ قليلةٍ يخرج أحد الأشخاص ليحرّض على التحرش بالفتيات والنساء اللاتي يزعم هذا الكائن أن ملابسهن غير المحتشمة يجب أن تكون عقاباً لهنّ وسبباً مباشراً للتحرش بها، ومع الأسف لم نر ردود فعلٍ تجاه هذا الكائن المريض تساوي نفس قوّة وخطورة ما يدعو إليه، وبرغم تلك المتغيرات شديدة الأهمية في المجتمع المصري منذ عقودٍ والتي كانت توهم للوهلة الأولى أننا مجتمعاً صار يعي جيداً التغير الإيجابي الحتمي والضروري تجاه المرأة ابنة وزوجة وأمّاً وزميلةً إلا أن الانتكاسات التي نشهدها بين الحين والأخرى تكشف زيف كل هذه الادعاءات، فعشرات بل مئات الحوادث تكشف مدى ما يدّعيه المجتمع (المؤمن بطبعه) في سلوكه وتصرفاته تجاه المرأة سواءً ما يتكشف في ظاهرة التحرش والاغتصاب والزواج المبكر للقاصرات وزواج الصفقة أو قضايا الأسرة وتلك المعاناة التي تتكبدها المرأة حين تقع تحت عجلات مصطلح “المرأة المطلقة” أو الأرملة فإنها تدهس من الجميع على أية حال.

السيء في الأمر أن مرتكب تلك الأفعال المشينة دائماً ما يفلت من العقاب الناجز والفوري، والأسوأ أن ماكينات التحريض التي لا تتوقف أبداً يقودها أنُاس لهم تأثيرهم على قطاع عريض من أفراد المجتمع فغالباً ما يأتي خطابهم ضمن خطاب ديني مشفوعٌ بالكثير من المرويات الباطلة والمزيّفة والمغلوطة في رؤيتها أو وقائعها التي تدين المرأة وكأنها من نافلة الخلق على هذا الكوكب.

إن وقائع الاعتداء على المرأة بالمشاهدة البسيطة تكشف اشتراك معظم فئات المجتمع في ارتكابها، لا فرق بين طبقة أو فئة عن أخرى، ربما هناك زيادة في نسبة إحدى الفئات الاجتماعية عن فئة أخرى، لكن العبرة بشكلٍ عام هي في اشتراك الجميع أيّاً كان حجم الفعل ودرجته ومستواه وموضوعه في جريمة انتهاك حق المرأة، وهو ما تكشف عنه أخر تلك الوقائع التي حدثت منذ أيامٍ قليلةٍ عندما قام نائب دائرة مركز سنورس بمحافظة الفيوم منجود الهواري بصفع إحدى موظفات الأمن بجامعة الفيوم على وجهها، وهو رجل كان يعمل بالقانون وقديراً في مهنته قبل أن يكون نائباً، لكن وبرغم ذلك ارتكب فعلاً مشيناً اجتماعياً ومهنياً وسياسياً عندما سوّلت له نفسه صفع تلك المرأة على وجهها دون أن أدنى محاولة منه لتحري حقيقة ما حدث بين هذه الموظفة وبين ابنته طالبة الجامعة.

إنّ الأمر جلل حقاً، فلا فرق بين مستوى اجتماعي وثقافي وتعليمي في انتهاك حقوق المرأة وبين مستوى أخر،  الجميع مصابٌ بلعنة ارتكاب تلك الجريمة إلا من رحم ربي، إنّ تلك الواقعة ليست شاذة بالشكل الصادم والمفاجئ لي شخصياً على الأقل، فهي تمثل إحدى مظاهر عدم احترام القانون وسيادة ثقافة العنف وسيطرة المال والنفوذ السياسي والقبلي، وربما الأكثر تعبيراً عن هذا هو ما قام به طلّاب الجامعة عندما اعتدوا على سيارة النائب وقاموا بتحطيمها، لأنهم في ظني شعروا بحالة من الغبن تجاه سلوك النائب الذي يتسلّح بحصانته البرلمانية ونفوذه العائلي ليقوم بهذا الفعل دون وجه حقٍ، ولشعورهم بأن حق هذه الموظفة والمرأة البسيطة سيضيع أمام سطوة وقوّة موقع النائب السياسي والاجتماعي، وأزعم أنني لا أوافق هؤلاء الطلاب على فعلتهم، لكن في نفس الوقت لا يجب ذبحهم عقاباً لهم على عدم ثقتهم بسيادة القانون ونفاذه على الجميع.

لا أخفيكم سراً أنني قد تفاجئت بموقف وزير التعليم العالي وأعجبت بموقفه الحازم والحاسم في رفضه أولاً لثقافة (جلسات الصلح والطبطة) وفي حمايته للمسؤولين عن أمن الجامعة الذين يتكبدون الكثير من المشقّة ولا سيما بعد القرار التاريخي الذي قضى على دور وزارة الداخلية في تأمين وحراسة الجامعات، وأيضاً في حرصه على سيادة القانون على الجميع، لم يفكّر معالي وزير التعليم العالي في تلك الحرب التي سيشعلها نائب البرلمان وبعض حلفاءه ضده مستقبلا تحت قبة البرلمان، بل كشف خطابه عن إصرار أحد المسئولين على سيادة القانون على جميع أفراد المجتمع أيّاً كان موقعهم الاجتماعي والسياسي والوظيفي، وهو ما نفتقده حقاً ونحتاج إليه للتخلص من تلك الآفات التي تضرب بعمقٍ في خلخلة العلاقات الاجتماعية بين جميع أفراد المجتمع دون تمييز، وفي المقدمة دون تمييز تجاه المرأة على وجه أكثر خصوصيةٍ لما تعانيه من ظلم وانتهاك لحقوقها داخل المجتمع.

الأغرب في المشهد هي حالة الإنكار التي ادعاها النائب بأنه لم يصفع السيدة على وجهها وهو ما كشفته إحدى مقاطع الفيديو المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو أمرٌ يدعو للرثاء، فكيف سيكون موقف هذا النائب عندما تعرض إحدى القضايا المتعلقة بالمرأة للمناقشة داخل البرلمان، ماذا سيكون موقفه تجاه القوانين التي من المفترض أن يطرحها أعضاء البرلمان لحل تلك المشكلات العميقة التي تعاني منها المرأة في المجتمع، هل سيقف مدافعاً عن حق المرأة فيما يتم طرحه، هل سيتذكر وقتها أنه أحد الذين انتهكوا حق امرأة بصفعها على وجهها، هل سيخالجه الشعور بالخطيئة ويحاول أن يكفّر عن فعلته بطلب تشديد أقسى العقوبات على كل من يرتكب جرماً في حق أي امرأة؟!