منذ عام 1977 لم تتعرض اليمن لتفشي وباء الكوليرا مثلما تتعرض له في الأشهر القليلة الماضية، فقد وصلت حصيلة الوفيات حتى الأربعاء 18 مايو إلى 209 شخص، بحسب بيان اليونيسيف، وهي أعداد مرشحة للتزايد خلال الأشهر القادمة، فهناك اشتباه بإصابة أكثر من ثلاثة آلاف شخص بالكوليرا في صنعاء وحدها من مطلع مايو الجاري، كما أن هناك أكثر من 11 ألفا آخرين معرضين للإصابة بهذا المرض، وذلك بسبب الأغذية والمياه الملوثة، إضافة إلى النقص الشديد في الأدوية وانهيار البنية الأساسية للمنشآت الطبية التي توقّف نصفها تقريباً عن العمل، حتى تلك التي مازالت تعمل فهي تعاني من نقصٍ شديد في المستلزمات الطبية والعلاجات الضرورية للوقاية من الأمراض الوبائية التي بدأ خطرها يرتفع يوماً عن الآخر.

يضاف إلى ذلك أن منظمة الصحة العالمية قد حذّرت مطلع العام الحالي من احتمال دخول اليمن ضمن قائمة الدول المصابة بالمجاعة نتيجة النقص الحاد في الغذاء.

وبالتالي فإن تعرّض اليمن لتفشي وباء الكوليرا وسرعة انتشاره ودخوله ضمن نطاق المجاعة باتت احتمالات قوّية للغاية، دون وجود ما ينبأ في المستقبل القريب عن أي تحركات دولية لوقف هذا الخطر والحد من سرعة انتقاله بين الأشخاص.

الملاحظة التي لفتت انتباهي ليست متعلقة بالسؤال عمّن يتحمل تلك المسئولية الكارثية التي تضرب اليمن حالياً؟ ولا عن موقف مجلس الأمن والأمم المتحدة؟ ولا عن موقف جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي؟، لكن الملاحظة هنا متعلقة بالسؤال عن شعب ” السوشيال ميديا ” الذي لم ينتبه على ما يبدو لتلك الأحداث، مقارنة بما يجري في سوريا، وذلك على مستوى متابعة ونشر الأخبار والصور ومقاطع الفيديو، فقد رأينا كيف اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بتلك الشعارات الشهيرة: حلب تحترق، إدلب تحترق، وكيف تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي صور حادثة الكيماوي في خان شيخون، وبرغم اتفضاح ما تم تداوله من صور ومقاطع فيديو، إلا أن معدل الاهتمام بها ونشرها لم يكن على نفس الوتيرة.

أليست اليمن دولة عربية وشعبها شعباً عربياً مثل سوريا؟!، لن نجهد أذهاننا للتفكير في الإجابة بكل تأكيد، لكن في ذات الوقت نحن لا نجهد أذهاننا للبحث عن هذا الفارق بين الاهتمام بمجريات الأحداث في اليمن مقارنة بمثيلتها في سوريا، وكلتاهما تعاني من أحداث مأساوية بعد دخولها تجربة إسقاط الأنظمة ضمن ما عرف بثورات الربيع العربي.

هل إذا قمنا بتبديل مواقع الأطراف المتصارعة في اليمن وسوريا يمكننا فهم ملامح هذا الفارق الشاسع الذي أشرنا إليه؟ لنحاول معاً، بمعنى إذا ما تخيلنا أن تنظيم داعش الإرهابي يحارب في اليمن نظام عبد ربه منصور الذي سوف نتعبره شيعياً وليس سنياً، وفي الجانب الآخر من الصورة سوف نتخيل أن الحوثيين(الشيعة) يتقاتلون مع نظام بشّار الأسد الذي سوف نعتبره سنيّاً وليس شيعياً، ما الذي سنراه ؟

سنرى أن هناك فيضاناً من الأخبار والمنشورات ومقاطع الفيديو والصور التي تتحدث عن مجازر الحوثيين في سوريا ضد هذا النظام الإسلامي السنيّ، سنجد أن آلاف المقالات والبرامج  الحوارية بعض القنوات الفضائية بعينها والمملوكة للدول الخليجية تحديداً: السعودية، الإمارات، قطر ستبرز بقوّة قسوة ووحشية الحوثيين الإنقلابيين في سوريا، وعلى النقيض لن نسمع كثيراً عمّأ يجري من تنظيم داعش الدموي في اليمن، لن نسمع سوى عن قدرٍ ضيئلٍ من المعلومات التي ستقوم بتسريبها وكالات أنباء دولية تقوم ببث أخبار تنظيم داعش حصرياً على سبيل بث الرعب والخوف والذعر من هذا التنظيم وليس بغرض كشف وفضح ممارساته الوحشية الدموية مثلما يحدث في سوريا حالياً، فهذا التنظيم ينشر ويبث ما يريد فقط أن يراه العالم ويخدم أغراضه الإرهابية وبث الخوف والرعب في قلوب المواطنين قبل أن يدخل قراهم وبلدانهم ويرتكب فيها ما يرتكبه من مجازر وأعمال دموية.

إذن فجذب الانتباه تجاه أحداث بعينها، وتجاهل أخرى، هي عملية مقننة ويتم صناعتها بحرفية وتخطيط مستمر، وأزعم أنها تصنع في أجهزة مخابرات تلك الدول التي تعمل على دعم تنظيم داعش ضد الأنظمة التي تريد إسقاطها، خاصة إذا ما كتن هذه الأنظمة تمتلك من القوة ومن الدعم اللوجستي للتصدي لعصابات داعش الإرهابية.

وهي عملية يستخدم فيها كافة وسائل الإعلام سواء القنوات الفضائية الكثيرة المملوكة للدول المشار إليها وصحفها، أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي من خلال ما اصطلح على تسميته منذ سنوات قليلة بالكتائب الإلكترونية التي تشتغل فقط على ضرورة تداول مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي لأكبر كمّ ممكن من الوسائط التي تتضمن رسائل محددة يتطلب جذب اهتمام المستخدمين لها، وغالباً ما يتم استخدام وسائط صغيرة المحتوى سواء منشورات مكتوبة، أو صور، أو مقاطع فيديو، فمثلاً الجملة الشهيرة التي اشتعلت بها مواقع التواصل الاجتماعي في العالم: حلب تحترق، فهي جملة من كلمتين فقط، تم إضافتها على مئات الصور المختلفة التي تكشف تلك العمليات الوحشية والدموية التي يرتكبها نظام بشّار الأسد بحق المدنيين السوريين، كانت هذه فقط تلك الرسائل الضمنية التي استهدف بها قصف عقول مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، ولأنها تتضمن صور مؤلمة وتحتوي على مشاهد حادة لجثث القتلى والدمار الذي لحق بالمنشآت والحرائق التي تجتاح المنازل، فغالباً تثير مشاعر المتلقي وتستفز إنسانيته وتعمل على تضخيم الصورة الوحشية الذهنية عن نظام الأسد، ولا أحد يسأل لماذا في وقت معين تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية الإلكترونية بشعارات معينة وإبراز مشاهد وأحدث معينة ولماذا تختفي في وقتٍ أخر؟ وذلك لأنه الوقت الذي يحرز فيه نظام الأسد تقدماً كبيراً في المواقع التي يحتلها تنظيم داعش، وهو الوقت الذي يتعرض له هذا التنظيم لخسائر فادحة في القوى البشرية والإمكانات اللوجستية، ولذلك يتم إشعال مواقع التواصل الاجتماعي بما يثير مشاعر المواطنين وكسب تعاطفهم وزيادة مشاعر الكراهية ضد النظام الشيعي الذي يقتل المواطنين الُسنّة دون أن أدنى اعتبار لتلك المجازر الوحشية التي ارتكبتها عصابات داعش في سوريا ضد المواطنين الأبرياء.

ولأن الوضع مختلف في اليمن التي تقاتل فيها جماعة الحوثيين الشيعية المدعومة من إيران نظام الدولة السُنّي المدعوم من السعودية وبعض دول الخليج، فإننا لن نرى كثيراً شعارات من قبيل: اليمن تجوع، أو صنعاء تقتلها الكوليرا، لن نرى كثيراً مقاطع فيديو وصور وحشية للمجازر التي ترتكب بحق المدنيين بغضّ النظر عن انتماءاتهم المذهبية، لن نرى كثيراً صور الأطفال الذين يموتون من الجوع والكوليرا في اليمن، لن نرى ذلك.

إننا نرى فقط ما تريد أن نراه تلك الكتائب الإلكترونية ووسائل الإعلام الداعشية وتلك الوسائل المتنوعة المملوكة للدول التي تزعم أنها في حربٍ مذهبية ضد الشيعة الذين يريدون القضاء على الإسلام!، لن نرى سوى تلك المقولات الزائفة والخادعة ضد الشيعة، في الوقت الذي تتعمد فيه تلك الدول قتل ودفن تلك المعلومات التي تتكشف وتفضح مساندتها ومساعدتها المادية الضخمة لتنظيم داعش الإرهابي مثلما حدث في تلك المعلومات التي سربتها شركة تيوتا عن سيارات الدفع الرباعي التي تستخدمها عصابات داعش في العراق وسوريا والتي دفعت تكاليفها العديد من الدول العربية.

إننا نتعرض في كل ثانية لقصف ذهني بالمعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تعمل على تزييف حقائق الأحداث في الدول العربية التي تتعرض لعمليات تدمير مستمرة من الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة/ الجديدة وذلك منذ حرب الخليج واحتلال العراق، ثم ظهور عصابات داعش متعددة الجنسيات في صدارة المشهد، تلك العصابات التي لا تختلف كثيراً عن تنظيم القاعدة الذي صنعته المخابرات الأمريكية من أجل حربها ضد الاتحاد السوفياتي وبمساعدة باهظة التكاليف من بعض دول الخليج العربي، لكن هذه المرة تم تدعيم تنظيم داعش بآلة إعلامية ودعم مادي ولوجستي ضخم تشارك في تكاليفه هذه الدول التي تتوهم أن عدوّها هناك في طهران وليس في تل أبيب.