ضاع أثر من الآثار الإسلامية النادرة في الفيوم – وحذف من قائمة المقاصد السياحية الإسلامية التي كان يقصدها الزائرون والتي تضم خمسة مقاصد هي مسجد الروبي ومسجد قايتباي والمسجد المعلق وقنطرة اللاهون، أما المقصد الخامس – فقد ضاع في هدوء، ومحيت آثاره، ولم يدافع عنه أحد أو يحميه.

وأقصد هنا وكالة “المغاربة” أو ما يعرف حاليا باسم ”القصبة – والقنطرة” التي كانت متخصصة في توفير احتياجات القبائل المغربية التي مرت أو استوطنت الفيوم عبر العصور الإسلامية بداية من العصر الفاطمي حتى القرن الماض، كما رحبت بالقبائل التي نزحت إلى الفيوم إبان الاحتلال الإيطالي لليبيا، خلال فترة مقاومة شيخ المقاومين (عمر المختار) للمحتلين.

تخصصت الوكالة لمئات السنين في توفير كل ما يتطلبه عرب الفيوم وبدوها من احتياجات يومية، وحتى تجهير بيت العروس من الألف إلى الياء، وبرزت الوكالة في بيع الأحرمة والسجاد والعبايات الصوف.

وكان الأعراب يقصدون الوكالة لشراء احتياجاتهم من ناحية، ومن ناحية أخرى كان فريق من التجار يحملون بضاعتهم على ظهور خيولهم، قاصدين مضارب الأعراب على أطراف حدود الفيوم الملاصقة للصحراء الموصلة إلى ليبيا، ونشأت بينهما معاملات وصلات وعلاقات نسب.

أما عن فكرة ”الوكالات” فتعود إلى العصرين المملوكي والعثماني ولها مسميات، منها ”الخان” و”الفندق” و”الرباط”، وكانت تتكون من عدة طوابق، الأرضي لتخزين البضائع واصطبلات الدواب والعلوية لسكن التجار، وتقع الحوانيت في صدارتها لبيع السلع، وهكذا كانت وكالة المغاربة بالفيوم، التي سميت سوق القنطرة لأنها تواجه إحدى قناطر بحر يوسف وسط مدينه الفيوم.

– وسميت بالسوق المعرش لأن الشارع الذي تطل عليه مسقف.

– وسميت بوكالة المغاربة لأنها تخصصت في بيع البضائع التي يقبل عليها المغاربة كالأحرمة والسجاد، لكن ذلك كله أصبح ذكريات وتحولت وكالة المغاربة ببضائعها اليدوية المتخصصة المميزة إلى ما يشبه “البوتيكات” التي تعرض الملابس والأحذية والأدوات المصنوعة من الألومنيوم ففقدت بذلك تفردها الذي تمتعت به فترة طويلة، وكان يمنحها الميزة النسبية كسوق متخصص متفرد.

اليوم لم يتبق من وكالة المغاربة سوى بقايا مدخلها الذي ضاعت معالمه، وكان مبنيا بالحجر الأبيض المطعم بالأحمر، وعلى جانبيه كان يوجد عقد نصف دائري، مطعما بالخشب، ويزينه شريطين من النحاس، كما كان على جانبي بوابة الوكالة مكسلتين حجريين، كان أحد تجار النعال المغربية والأحذية القديمة يتخذهما معرضا لبضاعته كان اسمه (همسه)، وكان شهيرا يحول الأحذية القديمة إلى جديدة يقبل عليها الناس.

أما السقف الخشبي فلا يزال باقيا ولا تزال محال الوكالة التجارية باقية، وإن اختفت منها البضائع البدوية لتتوافق مع متطلبات مرتادي المنطقة الآن، وأصبحت المخازن ومرابط الخيل محال تجارية تعرض الأجهزة الحديثة، وهكذا ضاع منا مقصد سياحي نادر ومميز ومتفرد في تصميمه وبضاعته وزبائنه، وكانت تقصده قوافل العربان والبدو لتشتري، ويزوره السائحون كمقصد سياحي، يتفقدون معالمه، ويشترون ما يحلو لهم من معروضاته، خاصة تلك التي تزينها الزخارف الإسلامية، وكانت تعمل بفضله ورش وتنمو صناعات وتروج بضائع فتنتعش الصناعات المحلية، وينتعش الدخل المحلي.

ودخل العمران الحديث بقوة وعلنا ليغير معالم الوكالة تماما، ويضيع معلم من معالم التاريخ الإسلامي في الفيوم – دون أن يتصدى له أحد أو تعترض طريقه أي من الجهات المسؤولة بحجة أن هذا المعلم لم يتم تسجيله كأثر، لكننا نواجه بضياع معلم هام بين حين وآخر ودائما لا نعرف قيمته إلا بعد أن نفقده.