موارد الجامعات يحددها القانون وتنظمها اللوائح الإدارية والمالية بها وكذلك اللوائح الداخلية للكليات، و لا يمكن أن يعقل أحد أن يظل قانونا صدر عام 1972 بمصر – في ظل توجهات اشتراكية للدولة تخلت عن معظمها منذ عقود مضت – مهيمنا على العمل الإداري والشأن المالي في جامعاتنا الحكومية  – أو جامعات الدولة State Universities كما يطلقون عليها في بعض الدول مثل الولايات المتحدة وفرنسا وغيرهما، وأن يكون هذا الجدب القانوني واللائحي في دولة بحجم مصر تذخر بعلماء و باحثين لهم بصمات علمية وتعليمية في كل بقاع المعمورة، وعلى سواعدهم نشأت جامعات عربية ضخمة، وباجتهاداتهم وصلت الكثير من الجامعات العالمية إلى إنجازات علمية غير مسبوقة استحقوا بها جوائز عالمية مثل “نوبل” و “أبوللو”  وغيرها …

ولا يمكن للجامعات الخاصة والتي نشأت بمصر منذ قرابة عقدين فقط … وكانت نشأتها من رحم جامعاتنا الحكومية أن تتقدم وتتفوق بلوائحها الإدارية والمالية ونظمها الدراسية عن جامعات الدولة التي مازالت تمدها بهيئتها التدريسية والبحثية … حتى أنها أصبحت تجتذب الكثير من الطلاب داخل مصر وتحظى بإقبال العديد من الوافدين العرب، و يرضى عن أدائها أولياء الأمور ويتفاخرون بانتساب أبنائهم إليها . حتى أن بعض الأسر أصبحت تلحق طلابها ببعض كليات القمة بها رغم حصول  أبنائهم على المجموع الذي تقبل به الجامعات الحكومية والتي مازالت تقبل الطلاب بمجموع أعلى نسبيا كون الدراسة بها مجانية وأقل تكلفة .

ولا يمكن أن يأتي وزراء التعليم العالي في الحكومات المتعاقبة دون إنجاز لقانون جديد أو حتى تطوير للقانون الحالي بشكل يغير مجموعة النظم الإدارية والمالية والدراسية به التي أصبحت لا تناسب عصرنا الحالي ومتطلبات سوق العمل، والمزايا التنافسية للجامعات العصرية … وكأن هذا القانون قدر لنا يجب أن نرضى به منكسي الرؤوس ونتعايش معه ونصبر عليه مكبلي الأيدي …

ولا يمكن لهذا القانون أن يظل يحكم بلوائحه التقليدية حتى الكليات الوليدة التي يتم إنشاؤها في الجامعات الحكومية المختلفة هذه الأيام … وبدلا من أن يتم إنشاء هذه الكليات بنظام الساعات المعتمدة وبدلا من توظيفها للتعلم الشبكي أو الإليكتروني والتعلم المدمج  واعتمادها  على فلسفة تتيح إمكانية الدراسة رغم عدم تفرغ الطالب بشكل كامل لانشغاله في عمل ينفق من دخله على تعليمه، واعتمادها على سياسات ونظم تقوم على حرية الاختيار والتحويل من نوع دراسة لأخرى دون هدر كمي أو نوعي  .

إذ نجد أن هذه الكليات المنشأة حديثا تتبنى نفس اللوائح البالية للكليات الأم العتيقة في كل قطاع حتى تنال رضاء  وموافقة لجان القطاع التي يتمسك أعضاؤها بما ألفوا عليهم آباءهم الأولين ولايريدون له تبديلا ومن يفكر في تبني لائحة جديدة بنظم جديدة فإنه يعتبر كمن خرج من الملة ونكص بعهود الأجداد وتتعرض لائحته للإلغاء أو الإرجاء حتى تتم استتابته ويعود لدين آبائه و أجداده.

وهكذا تظل جامعاتنا الحكومية أو جامعات الدولة صريعة لهذا التمجيد لنصوص اللوائح البالية وتبعد يوما بعد يوم عن مواكبة كل ما هو جديد في نظم الدراسة وأنواع البرامج  و وسائل الاتصال  وآفاق البحث العلمي الرحبة … وتظل محدودة الموارد تنتظر دعم الدولة من خلال الموازنة السنوية  وتظل دخول أعضاء هيئة التدريس والباحثين بها  محدودة للغاية مقارنة بالجامعات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط أو الجامعات العالمية.

والسبب في كل هذا هو القانون العتيق واللوائح البالية. وإذا حاولت الإلتفاف على هذا الركود أو ذاك التخلف تجد من جهابذة االقانونيين أو الإداريين من يرفع لك البطاقة الصفراء محذرا ومنذرا ويقولون بملء أفواهم لابد من تغيير القانون واللوائح أولا.

والسؤال هو لماذا لا نغير القانون واللوائح؟ لماذا نظل نعبد هذه الأصنام الجامدة ونظل لها عاكفين دون حراك؟ ما الذي نخشاه؟ وإذا كانت الإجابة لا نخشى أحدا إلا الله، فما الذي ننتظره؟ هل ننتظر أن يهبط علينا قوم من السماء يتولون تغيير القانون واللوائح لنا؟ أم ننتظر أن تأتينا منحة خارجية تخصص لتغيير القانون واللوائح من خلال لجان يتم تشكيلها لهذا الغرض وتتقاضى هذه اللجان مكافآتها مقابل عملها بالدولار  من مخصصات هذه المنحة؟ ماذا ننتظر؟ و من ننتظر؟

لن يحك جلدك مثل ظفرك …. فتول أنت جميع أمرك

جامعاتنا لن تتغير إلا بنا و وفق احتياجاتنا ورؤيتنا ونحن إذ نفعل هذا يجب ألا نفقد رؤيتنا لما انتهى له الآخرون في الجامعات المناظرة  وأن نحدث هذا التطوير من خلال مقارنات معيارية مع جامعات أخرى وفق الميزة النسبية لكل جامعة من جامعاتنا  … وهو أمر لا يحتاج إلا إلى قرار وخطة زمنية للإنجاز ومراجعة واعتماد وموافقة أخيرة من مجلس الشعب قبل تصديق رئيس الجمهورية عليه بالنسبة للقانون، و موافقة لجان القطاع والمجلس الأعلى للجامعات قبل تصديق وزير التعليم العالي عليها بالنسبة للوائح  وهي ليست بالأمر العسير لأن بعض كليات الجامعات الخاصة تعمل بلوائح محدثة ووفق نظام الساعات المعتمدة …

إن عدم اهتمامنا بأن ننفض هذا الغبار عنا وعن مؤسساتنا ورضاؤنا بأن نظل نحكم بقانون غير صالح ولوائح يالية دون حراك نحو التغيير هو نوع من فقر الفكر الذي لا يتناسب مع كوادرنا البشرية وقاماتنا العلمية التي نفخر و نزهو بها وبما تجود به من أفكار.

ولا شك أن تغير القانون و اللوائح سوف يزيد من موارد جامعاتنا ومن إقبال طلابنا على برامجنا المستحدثة ومن إقبال الوافدين من الدول المحيطة بمنطقة الشرق الأوسط على الالتحاق بهذه البرامج وهو ما يجب أن نواكبه بإنشاء وحدات إسكان طلابي يليق بطلابنا والطلاب الوافدين  ومن تحسين الخدمات للجميع …كما أن تغيير القانون واللوائح سوف ييسر دورا إيجابيا للبحث العلمي لخدمة مجتمعنا وبيئتنا بمرونة أكبر و بعائد أكبر لكل من الجامعة والمجتمع  .  فتغيير القانون واللوائح سيرفع دخل أعضاء هيئة التدريس و العاملين بالجامعات … و تغيير القانون واللوائح سيجعل الجامعات بمواردها الوافرة و المتجددة  أحد مصادر الدخل القومي مثل قناة السويس والسياحة وتحويلات المصريين العاملين بالخارج لمن يفهم ويعي .

دعونا ننفض فكر الفقر عن كواهلنا فنحن بحالة التردي والضعف التي انتهينا إليها رغم كل ما نملك من مقدرات في جامعاتنا  أصبحنا كمن يملك برجا سكنيا ضخما له أجمل إطلالة على أرقى الميادين  ثم يصر على أن يعيش بغرفتين به تحت الأرض وكأنه يخشى الاستفادة المثلى والاستمتاع بما يملك وهذا هو فكر الفقر بعينه.