أعتقد أننا نحتاج قبل خوض تجربة المدارس اليابانية أن نبدأ وبشكل تدريجي حراكا مجتمعيا نطهر به مجتمعنا وثقافته مما حاق بهما طوال الثلاث عقود الماضية من سلبيات بدواعي الاستقرار في فترة مبارك وبدواعي الثورة أو الفوضى فيما بعدها. فلابد أن نقف بحسم وقوة لكل هذه المظاهر السلبية بمجتمعنا من فساد ورشوة ويلطجة وتحرش واستعلاء على القانون وحتى على الدولة، والأمثلة كثيرة … فصحبة الشباب الذين يرفعون أصواتهم بصيحات والفاظ إباحية وسط الأحياء السكنية في جوف الليل باستهتار وتبجح يستعلون على القانون، وسلوكهم يجب أن يقابل بحسم، وحينما تكتشف أن من بينهم من هم ابناء بعض المسئولين بنفس المدينة … يجب أن يكون الحسم أكبر.

وعدم اللتزام بضوابط العمل والتربح من الوظائف العامة سواء من الصغار أو الكبار هو نوع من اللامبالاة التي تضمر تطاولا على سيادة القانون وهيبة الدولة، والتدرع بالوظيفة العام أو التجاوز بها كقيادة ضابط شرطة أو قاض لسيارة دون أوراق رسمية أو إطلاقه النار ابتهاجا بفرحه أو فرح أحد من ذويه هو استعلاء على الدولة لأن من واجبه أن يمنع هذا عند قيام الآخرين به بل ويتخذ معهم الإجراء القانوني، وهو أمر يجب أن يواجه بحسم أيضا، والشباب الذين ينتظرون أمام مدارس الفتيات لمعاكستهن والتحرش بهن هو تطاول غير مقبول على المجتمع، والقنوات الفضائية التي تعرض أفلاما ومسلسلات تمجد البلطجية وتبث ألفاظا وتلميحات وإيماءات إباحية وعدائية و أحيانا عنصرية لهم تصبح شعارا وكلمات دارجة بين الشباب هو انفلات لابد أن يقنن ويتم وضع ضوايط له أويمنع، و برامج المقالب التي يتعرض فيها الضيف لمقلب ليشنف آذاننا بسيل من السباب والشتائم والبذاءات نحن في غنى عنه، وخاصة أن الأمر لايعدو كونه تمثيلا في تمثيل وصاحب المقلب حصل على أجره وشارب المقلب قبض أجره أيضا … حتى أن هذا السفه بدأ مؤخرا في الانتقال إلى بعض الإعلانات التي باتت تحمل رسائل لاتليق أن توجه لجميع أفراد الأسرة في كل الأعمار وفي كل الأوقات … فهذا إعلان عن ثلاجة يستشرف الممثل فيه المستقبل فينظر إلى جسده أسفل الملاءة التي تغطيه بعد خضوعه لعملية جراحية عن طريق الخطأ معطيا إيماءات معينة ليعلن الانصياع لنصيحة زوجته بشراء الثلاجة إياها … وهي إيحاءات غير مقبولة ولا يمكن أن تفسرها لأطفالك إذا سألوا عنها …

نحن نحتاج إلى أن نفعل يل ونسن القوانين التي ترسخ قيمنا الأصيلة وتطعم ثقافتنا بقيم جديدة نعود أنفسنا وابناءنا عليها. فالمدارس اليابانية تقوم على فلسفة و مبادئ تخدم ثقافة المجتمع الياباني وقيمه وعاداته وتقاليده، والسؤال هو: هل نقل تجربة المدارس اليابانية سيصاحبه حراك مجتمعي موسع لجسر الفجوة بين فلسفة ومبادئ هذه المدارس وبين ثقافة المجتمع المصري؟ خاصة بعدما تعرضت ثقافة مجتمعنا لما تعرضت له سواء في السبع سنوات الماضية التي ضربت الفوضى والعشوائية والبلطجة خلالها في أطنابها أو ما سيقها في آخر عقدين من عهد مبارك حيث استمرأ المجتمع الكثير من مظاهر الفساد والإنحراف واللاسواء دون تدخل من الدولة أو أجهزتها الثقافية والإعلامية بل والأمنية حيث كان التركيز طوال عهد مبارك على الأمن السياسي على حساب الأمن الاجتماعي … وخلاصة القول أننا لن نعزل ابناءنا في هذه المدارس عن مجتمعنا ولن نستطيع أن نمنعهم من متابعة الميديا بكل أنواعها وبالتالي نحن نحتاج وبشكل تدريجي حاسم إلى تنقية مجتمعنا من المظاهر السلبية الأكثر خطرا عليه ليس لانجاح تجربة المدارس اليابانية فقط ولكن لمنع مزيد من التجريف الأخلاقي في مجتمعنا لأنه لو استمر سيكون القادم أسوأ لا محالة.