سألني أحد الأصدقاء الأعزاء عن أسباب اتجاه بعض برامج التوك شو أو البرامج الترفيهية مثل برامج المقالب و كذلك المسلسلات و غيرها من الأعمال الفنية والدرامية المقدمة من خلال وسائل الإعلام لعرض كل ما هو سيء و رديء للدرجة التي يبدو معها الأمر وكأنها حملة تستهدف إفساد أخلاق المصريين فكم العنف  والبذاءات والإيحاءات اللا أخلاقية  والانحراف والفساد لا يمكن تخيله،  وتساءل عما إذا كان هذا عن عدم كفاءة مهنية وفنية أم بسبب السعى وراء المكاسب المادية من خلال الأعمال التجارية التي تلقى رواجا بين عامة الناس بغض النظر عن الرسالة الأخلاقية التي تسعى لتوجيهها لهم.

شكرت صديقي العزيز لثقته الغالية في شخصي المتواضع  وفي رؤيتي لبانوراما المشهد الثقافي والإعلامي في بلدنا …  وجلست أفكر في سؤاله العميق …وتعجبت فعلا من كم الرداءة التي تطل برأسها رغم كل الشكوى التي نرفعها مما يعرض و كل عدم الرضا الذي نظهره عما يقدم … إلا أننا نجد إصرارا عليه دون رادع أو مراجع أو رقيب …

وبينما  أحاول رصد بعض  العلاقات بين حالة الاستقرار السياسي  و الاقتصادي – عبر عصور مصر الحديثة – وبين ازدهار الفن وأدائه لرسالته في رفع أذواق الناس ترددت في أذني عبارة: “الجمهور عايز كده”  التي كثيرا ما سمعناها كمبرر لتقديم الفن الهابط ثم  تذكرت  حادثة كانت محور حديث القنوات الفضائية والصحف و مواقع التواصل الاجتماعي منذ قرابة العام …  بل ووصلت بعض توابعها لساحات القضاء … تذكرت ماحدث من إحدى الإعلاميات المشهورات … حينما بدا أنها تجاوزت قواعد المهنية و حاولت التشهير بإحدى الفتيات التي كانت ضحية الإعتداء والتحرش من أحد الأشخاص  و تناول الإعلام والرأي العام ما فعلت على أنه انتهاك للحياة الخاصة للناس وشنوا حملة موسعة عليها خاصة بعد نشرها لصور من هاتف الفتاة الخاص – وانتفض الناس وهاجموا في برامج التوك شو  وعلى صفخات الجرائد ومواقع التواصل الإجتماعي ما فعلت وطالبوا بوقف برنامجها وهددوا في حالة عدم استجابة القناة سوف يقاطع الناس منتجات الشركات الممولة له والتي تتصدر إعلاناتها فقرات البرنامج وسواء كانت  هذه الحملة بدافع  حماية الحرية الشخصية  والحياة الخاصة  أو بسبب الغيرة أو تصفية حسابات كما إدعت الإعلامية – ماذا حدث بعد ذلك؟

سحبت الشركات المعلنة بالبرنامج دعمها للبرنامج وتمويله  ووجدت القناة أن البرنامج لا قيمة له أمام انسحاب الشركات المعلنة منه فأوقفته … وكان يمكن أن يتم إلغاءه بالكامل  لولا  التسويات التي تمت وخاصة بعد الحكم القضائي بتبرئة الإعلامية وذلك بعد صدور حكم مبدئي بسجنها ستة أشهر … ثم بعد اعتذارها لجمهورها عما فعلت أو لم تفعل.

هذا هو جوهر فكرة الانتقاء والفرز …. المستهلك الواعي … فهو الذي يحدد مستوى ما يقدم له من خدمة، أما إذا كان المستهلك في عالم آخر أو إمعة أو يرقص مع الراقصين أو يمكن تحويله إلى شخص حالم بالمكسب الكاذب  وهو الجوائز المعلن عنها والتي تأتي من قيمة الاتصالات أو الرسائل التي يرسلها المشاهدون لحل مسابقة سخيفة يتم تمويلها من الفرق المبالغ فيه لتعريفة الاتصالات أو الرسائل  … فماذا ننتظر بربك؟

أما على صعيد المتابعة والمحاسبة الذاتية فنحن أيضا في حاجة إلى مؤسسات مجتمعية رقابية قوية و جمعيات هادفة لحماية المستهلك يدعمها ويقوم عليها أصحاب فكر ومثقفون و رجال مال و أعمال وصناعة وطنيون ومخلصون، ويكون لها أوقافها وممتلكاتها ومصادر دخلها التي تسمح لها بالاستمرارية والفاعلية والنفاذ وتمنع عنها أي ميول لدي بعض أعضائها للعمالة لدول أو هيئات أجنبية أو تدحض عنها أي إتهام لهم بالعمالة … و لكن في غياب مثل هذه المؤسسات والجمعيات نصبح نحن كمستهلكين ومتلقين للخدمات … نصبح نحن وحدنا  المشكلة ….. ونصبح نحن في نفس الوقت  .. الحل