أيقظ مقال جميل للصحفية المتميزة منال محمود، بعنوان” جدتى والراديو” ذكرياتي مع الإذاعة المصرية، ولا شك أنه أعاد لكل من قرأه  – نحن جيل الإذاعة – أياما جميلة  أيام “الرداوي”  كما كنا نطلق عليها، وكانت أمهاتنا أكثر تعلقا بالإذاعة كونهن لا يعملن، ونظرا لتعلقنا بأمهاتنا سواء ذكورا أو إناثا … نشأنا على التعلق بالراديو، وبكل ما يحمله لنا الراديو من أخبار وحكايات وبرامج.

كنا نتابع مع أمهاتنا المسلسل الإذاعي على إذاعة “الشرق الأوسط” الذي كان يذاع في السابعة والنصف  ويعاد في الثالثة والنصف،  وكان يحكي سير العظماء والمشاهير مثل الدكتور أنور المفتي، داوود حسني، محمدعبد الوهاب، أم كلثوم، كامل الخلعي .. إلخ، وكان  يليه برنامج Englsh for you   ثم نشرة الأخبار، بعدها نسرع إلى المدرسة التى بنفس الحي في الشتاء والربيع،  أو لتناول الإفطار مع الوالد والوالدة – رحمة الله تعالى عليهما – في الصيف قبل ذهاب الوالد لعمله، وكان صوت المذيعة إيناس جوهر، هو أكثر ما يميز هذه المحطة الإذاعية  ولازلت أذكر الشعار الذي كانت تطلقه لأحد برامجها “غمض عنيك وامشي بخفة ودلع .. دي الدنيا هي الشابة وأنت الجدع … تشوف رشاقة خطوتك تعبدك لكن أنت لو بصيت لرجليك تقع .. وعجبي”.

وعلى البرنامج العام  كنا نتابع برامج اجتماعية مثل همسة عتاب، كلمتين وبس، ربات البيوت، عائلة مرزوق أفندي، حكايات خالتي بمبى، ثم حدوتة “أبلة فضيلة” كأطفال …و كنا نتابع برامج أخرى عديدة مثل “سكة السلامة” وبرنامج “محو الأمية” وأغنيته الاستهلالية .. “يالي اتحرمتوا من التعليم الفرصة لسه قدامكم … من غير ما تغرموا ولا مليم … إلخ … ” وكنا نتابع نشرة أخبار الخامسة و لا أدري لماذا كانت مقدسة لدينا كأسرة، فكنا نحرص عليها ثم نتابع مسلسل الخامسة والربع.

في المساء كنا نسمع برامج ثقافية من الطراز الأول مثل “صحبة وأنا معهم” ، و “زيارة لمكتبة فلان” حتى برنامج “أغرب القضايا”، وكان هناك برنامج أوائل الطلبة الذي كنا نحرص عليه كطلاب خاصة ونحن بالشهادات وكنا نتابع الأسئلة التي تلقى على الفريقين و نتبارى في حلها قبل المتسابقين …

وأذكر أنني استمعت البيان الأول لحرب أكتوبر من خلال الإذاعة، وقفزت إلى السماء فرحا وصخبا وتأثرا و كنت وقتها في العاشرة من عمري، وأذكر قدوم أمي – رحمة الله تعالى عليها – إثر ما أثرته من ضوضاء  صائحا “حاربنا … حاربنا … أخيرا ” … وكان سبب ما أصاب أمي من خوف من جراء قيام الحرب هو ابن خالتي الذي كان قد تخرج ضابطا منذ بضعة أشهر من الكلية الحربية، واشتركه في الحرب لكن الله سلمه …

ورغم وجود التليفزيون لدينا في ذلك الوقت إلا أن الإذاعة ظلت الأثيرة لدى أسرتى بما نمته فينا من مهارات تلقي وتخيل،  وبما للكلمة والموسيقى المصاحبة وايقاعاتهما من أثر.

لا شك أن الإذاعة شكلت وجدان جيل كامل منا وأثرت فيه تأثيرا إيجابيا .. وللحديث بقية .