يعلم الله أنني مازلت وسأظل – وغيري الكثيرون – ندعو بأن يجنب الله الشعب القطري و الشعوب العربية الخلاف والشقاق وأن يكون حلهما – حال حدوثهما – بالتفاوض والاحتكام إلى صوت العقل والحكمة. غير أنه طالعتنا أخبار صحفية تفيد بأن هناك إنشقاق في صفوف الجيش القطري بسبب تعيين جنرال تركي كقائد أعلى للقوات المسلحة القطرية … والحق يقال أن هذا الأخبار – إذا صحت – مثيرة ومنفرة  للداخل القطري أكثر من الخارج .. وخاصة أن هذا التعيين ليس في إطار تحالف دولي أو غيره

والحق أيضا يقال أن هذه الأخبار ذكرتني بما كانت ومازالت حكومة دولة قطر سواء على رأسها الابن حاليا أو الأب فيما مضى تثير حيرتي وحيرة الكثيرين من أمثالي ومنهم قطريين بتصرفات على صعيد بعيد تماما عن السياسة أو الشأن العسكري ألا وهو صعيد البطولات الرياضية  … فكانت على سبيل المثال إذا أرادت حكومة قطر المنافسة في بطولات بعض الألعاب الرياضية لا تلجأ إلى الاجتهاد  في تدريب لاعبيها أو فرقها المحلية وإنما تفاجئنا  حكومة قطر – وقبيل البطولة بقليل – بمنحها الجنسية القطرية لبعض اللاعبين العالميين وطبعا هذا يتم بالاغداق على هؤلاء بأموال طائلة لمجرد تمثيل دولة قطر في البطولة لبضع أيام … و قليلا ما كان يتم الفوز … ولكن حتى في حال حدوثه ما طعم الفوز حينما تحققه بسواعد غيرك؟ وهل غاية الأمر أن يتم تداول اسم قطر إعلاميا هنا وهناك كفائزة في هذه الرياضة أو تلك سواء كان هذا الفوز بسواعد ابنائها أو بجهد مرتزقة مدفوعي الأجر.

و ابتلاع الموقف فيما يتعلق بالرياضة ممكن ولكن حينما يصل الأمر إلى الدفاع والأمن القومي نحتاج إلى مزيد من التروي والنظر في جهود الوساطة وعدم الاتجاه للتصعيد حرصا على قطر نفسها  وقبل استنزاف الجميع … وما نطرحه هو لماذا لا يكون حراكنا وسعينا سواء على مستوى الدول أو حتى الأفراد وفق طاقتنا وحجمنا دون تهويل أو تقليل؟

قطر كان يمكن أن يكون لها تواجد وتأثير وأداء أفضل بكثير لو أنها نحت منحى إمارة مثل دبي – وأتحدث هنا عن دبي الإمارة وليس دولة الإمارات العربية – فتكون بموقعها على الخليج العربي – والذي بدأت الاشارة له بالخليج الفارسي في بعض مانشيتات الصحف القطرية بعيد الأزمة الأخيرة – مركزا للتجارة والأعمال وخدمات الملاحة البحرية ومركزا رياضيا عالميا ومركزا إعلاميا عالميا أيضا بعد أن نجحت في إطلاق قناة الجزيرة والتي بدأت تخاطب منها العالم عامة والمنطقة العربية خاصة بخطاب إعلامي عربي “شبه محايد” في وقت كانت المنطقة العربية بالذات ترزح فيه تحت وطأة خطاب إعلامي رسمي موجه  … لماذا تركت حكومة قطر كل هذه الآفاق الواسعة للتميز والتفرد  و زجت بنفسها في آتون السياسة والصراعات الإقليمية و الدولية؟

والحقيقة أن المعضلة الحقيقية بالنسبة لحكومة دولة قطر هو الموازنة بين حجم الدولة و فاعلية دورها، وهي المشكلة التي تقابل ليس قطر فقط ولكن معظم الإمارات الصغيرة حينما تقدم نفسها للمجتمع الدولي كدول … طبعا في وقت سابق كان حمد بن جاسم وزير الخارجية ورئيس الوزراء في عهد الأمير الأب  حينما يسأله بعض الإعلاميين عن كيفية حل معضلة التوازن بين الحجم والدور بالنسبة لقطر، يجيب متباهيا بأن حجم الدولة ليس له أي علاقة بمجال تأثيرها وكان يضرب مثلا بدولة إسرائيل كنموذج للدول الصغيرة وكيف أنها بحجمها المتناهي في الصغر تستطيع أن تكون الدولة الأقوى والأكثر سيطرة وتأثيرا في منطقة الشرق الأوسط  سواء عسكريا أو صناعيا أو أمنيا أو استخباراتيا أو إعلاميا أو حتى زراعيا… ولم يخف في تصريحاته أنه يتطلع وتتطلع دولته لمثل هذا التأثير الخاص بدولة إسراثيل … وهي تصريحات مذاعة وموجودة على اليوتيوب لمن يريد أن يطالعها حتى لا يتهمني البعض بالتجني على مهندس السياسة الخارجية القطرية آنذاك.

وكان هذا الأمير والذي لقبته الصحافة العالمية بعراب الربيع العربي  والذي رحل هو ومولاه بعد اجتياح ثورات الفوضى والانقسام المنطقة العربية – أو قل بعدما أديا دوريهما – لا يخفي كرهه للدول كبيرة الحجم، وكان كثيرا ما يصفها بالترهل ولكنه نسى حينما جعل من إسرائيل نموذجا له أن إسرائيل تقف وراءها دول عظمى كثيرة، وأن ما أنجزته إسرائيل منذ قيامها أصبحت تمتلكه بنفسها وتوجهه وفق أهدافها الاستراتيجية وفي معظم الأحيان بمساعدة ودعم من الدول العظمى هذه.

والحق يقال أيضا أن حكومة قطر استطاعت أن تجمع المتناقضات وتلعب على مشاعر الشعوب العربية غير الواعية  لفترة طويلة وبالتحديد بعد أن أطاح الأمير الأب بالأمير الجد…  فهي من ناحية قدمت للولايات المتحدة الأمريكية أكبر قاعدة عسكرية على أراضيها وانطلقت منها القوات الأمريكية وقوات التحالف لضرب افغانستان والعراق … ولكنها – من ناحية أخرى- نجحت في كسب تعاطف الشعب العربي من خلال نقل معاناة الأفغان والعراقين  من خلال البوق الاعلامي الناجح آنذاك والمسمى “قناة الجزيرة” واستطاعت قناة الجزيرة بإعلاميها المفوهين والمحترفبن إحداث توازن ما داخل نفسية الشعوب العربية والإسلامية بين ما تقدمه “القاعدة العسكرية” من موت وخراب وما تكشفه “القناة الإعلامية” عن قسوة هذا القتل وضخامة ذاك الخراب … منتهى العبث بالعقول

وكان وزير الخارجية أثناء ولاية الأمير الأب إذا ما تعرض للهجوم بسبب إنطلاق القتل والخراب من قاعدة “العديد” يدافع بالإدعاء بأن هذه القاعدة بالنسبة لدولة قطر بمثابة استثمار عقاري إذ أن الولايات المتحدة تدفع سنويا عدة مليارات من الدولارات إيجارا للقاعدة وكان يتباهى بأنه ببراجماتيتهم الصريحة – وهم الدولة الصغيرة – يحصلون من الأمريكيين مقابل تواجدهم لحماية مصالحهم في المنطقة في وقت توجد دول مجاورة أكبر على استعداد بأن تستضيف القاعدة العسكرية الأمريكية بدون مقابل … وهذه كلها تصريحات مسجلة … وعلى الرغم من التواجد العسكري الأمريكي الصريح والمعلن في قطر – “وهو الأمر الذي ينال من مكانتها بين شعوب المنطقة – إذا بقطر تدير آلتها الإعلامية بقسوة في المنطقة بأسرها لتضرب هنا وتلاقي الضربة هناك.