مفاجأة ربما غير متوقعة استيقظ عليها الجميع اليوم، قرار رباعي متزامن تقريبا من السعودية والإمارات والبحرين ومصر، تلتهما ليبيا واليمن، ثم جزر المالديف، بقطع العلاقات الدبلوماسية وتعليق التمثيل المتبادل مع قطر، إضافة إلى إجراءات أكثر حدة تصل إلى طرد مواطنيها من الدول المذكورة وإغلاق المنافذ الجوية والبرية والبحرية معها.

القرار نتيجة لمسلسل متصاعد من الأحداث خلال الأسبوعين الأخيرين، ولكنه كان وصولا لآخر المدى بدرجة أكبر من توقعات المتابعين والمحللين، ما يشير إلى أن رواكد كثيرة جرت في نهر العلاقة والاتصالات في الفترة الأخيرة، وأن المضمر أكبر من المعلن وأخطر.

القرار الرباعي الذي صدر فجرا صفعة قوية ومؤلمة لقطر، وسيؤثر عليها اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، وفي الغالب سيقودها لتنازلات مذلة، إما على محور دول مجلس التعاون الخليجي ومصر، أو على محور تركيا وإيران رغم ما يشوبه من تعارض واختلافات.

يبدو أن الموقف ليس عربيا فقط، الصورة تحمل إشارات لحياد أمريكي وقرار بكف يدها عن التدخل لصالح أي من طرفي الصراع، وتقارير إخبارية عدة، بعضها أوردته وكالة سبوتنيك ونوافذ إعلامية روسية أخرى، أشارت إلى أن موسكو لن تتدخل إذا قررت الدول العربية معاقبة قطر، ويضاف لهذا ما يتواتر عن قطع شوط بعيد في اتفاق إماراتي أمريكي لنقل قاعدة العديد العسكرية، التي تضم قيادة المنطقة المركزية الأمريكية وأكثر من عشرة آلاف مقاتل، لأراضي الإمارات بدلا من قطر.

بيان الخارجية القطرية التالي لقرار قطع العلاقات أعرب عن أسف الدوحة لقرار السعودية والإمارات والبحرين، وبعيدا عن حملة العلاقات العامة الساذجة التي أشارت لإهانة وتجاهل القاهرة في البيان، فقد أشار بيان خارجية قطر في فقرته الثانية لمصر متهما إياها صراحة بأنها السبب الرئيسي في هذا القرار وهي من نسّقت المواقف بين الدول العربية المقاطعة، وما يشير إليه البيان في وجهه العميق أن قطر تضع يدها على سبب لموقف مصر منها، باعتبار أنها تحتضن الإخوان ولم تنكر دعمهم، ولكنها تشعر بالصدمة من مواقف الجيران الخليجيين، إذ ترى أنها لم تتورط في تصرف معاد لهم، في إطار الظاهر وهروبا من المضمر الذي طُرح على طاولة التداول كثيرا في اجتماعات مجلس التعاون الخليجي وفي لقاءات الوساطة بين وزير خارجية الكويت ونظيره القطري.

الواضح من القراءة الأولية أن الدبلوماسية المصرية لها الدور الأكبر في الموقف الأخير، خاصة أن القرار سبقه اجتماع السفير السعودي بالقاهرة أحمد بن عبد العزيز قطان بمسؤولين بارزين في الخارجية المصرية ثم سفره إلى المملكة، ليخرج القرار بعد ذلك بساعات قليلة، والرؤية البسيطة قد تنحو منحى مضخما من قطر ومقللا من مصر، ولكن الحقيقة التي تفرضها الحسابات الجيوسياسية والأوزان النسبية تؤكد أن مصر طرف فاعل إقليميا، وأن ما تظهره أحوال الاقتصاد والاجتماع داخليا، لا يصلح دائما ليكون قانونا لضبط حركة الدول ومستوى فعلها في مجالاتها الحيوية.

قطر الآن تواجه موقفها الأصعب كدولة، في عمرها القصير الذي لا يبلغ خمسين سنة، فهي للمرة الأولى تعاين الحصار بشكل قاس، وتخرج من بعدها الجغرافي كشبه جزيرة، إلى حالة الجزيرة المحصورة بالنار من ثلاث جهات، ولا منفذ لها الآن إلا إيران، بما يحمله هذا من تعميق الشقاق العربي معها أكثر، وخسارة الأب الروحي والراعي الأمريكي، ودخول جفوة مزعجة مع نظام أردوغان في تركيا.

قد تضطر قطر في إطار التحرك العملي باتجاه تخفيف حدة الضغط، لترشيد قواها الإعلامية وتقليم أذرع اتصالها الطويلة مع الميليشيات والجماعات المسلحة، والتضحية بالمقيمين على أرضها من الإخوان والمعارضة السورية والفلسطينية، ما يعني تجريدها من قوتها الفعلية التي كانت سبب بروزها وأزماتها، وحصرها فقط في مربعها الجغرافي بمحدودية تأثيره وأهميته الاستراتيجية.

أبرز ما يمكن أن تواجهه قطر نتيجة الموقف العربي، أزمة غير هينة في الإعاشة وتدبير الاحتياجات اليومية عطفا على أن 90% من وارداتها تمر عبر الأراضي السعودية، وتباطؤ حركة النمو والعمران لتوقف خط إمداداتها بالمواد والخامات من المنفذ نفسه، وما يحمله هذا من تهديد استضافتها لكأس العالم 2022 الذي أعيد فتح ملف الفوز بتنظيمها بالرشاوى مرة أخرى، إضافة إلى ارتفاع تكلفة الطيران لاضطرارها لاتباع خطوط أطول وتبديل محطات الترانزيت مع ما يحمله هذا من ارتفاع تكلفة التشغيل وتراجع الجدوى الاقتصادية وتراجع أعداد الزائرين التي بلغت ما يقرب من 40 مليونا في 2016 بحسب أرقام مطار حمد الدولي.

حال لجوء قطر للتصعيد، قد تواجه عقوبات اقتصادية أو مستوى أوسع من الحظر، وربما يصل الأمر لتدخل مباشر، وحال استمرار حياد الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا بالتبعية باعتبار قطر تحت حماية واشنطن ومسرح عمليات خاصا لها، فقد تتراجع مؤشرات الأداء الاقتصادي للإمارة، مع تراجع التبادل التجاري مع دول العالم، وارتفاع نغمة الشقاق الداخلي بين عائلة آل ثاني، وإفساح مجال أوسع للمعارضة القطرية بالخارج لتقويض النظام بشكل أكثر نشاطا وتأثيرا، إلى جانب ما تحمله تطورات الأوضاع من فرص توتر الجبهة الداخلية، مع احتمالات سوء الأوضاع، وغلبة الوافدين على التركيبة الديموغرافية، ومحدودية الذراع الأمنية والعسكرية القطرية مع جيش قوامه 11800 مقاتل، أغلبهم من الصومال والهند وباكستان وإيران والسودان.

النقطة الأخيرة فيما يخص الرابحين والخاسرين من الموقف، فأول الخاسرين جماعة الإخوان والميليشيات المسلحة في سوريا وليبيا والعراق واليمن، عبر الخصم من رصيد الدعم المالي والإعلامي المفتوح من جانب الدوحة لهم، وتأتي قطر تالية بالفاتورة الفادحة التي ستدفعها سياسيا واقتصاديا، وما يهدد جبهتها الداخلية من شروخ، وخروجها في الغالب عارية من أذرعها الإعلامية التي شكلت التأسيس الأبرز لقواها الناعمة ومفاتيح حركتها الفاعلة في المجالين الإقليمي والدولي.

أما الرابحون فتتقدمهم مصر بقطع طريق دعم وإمداد مهمة على الإخوان وحلفائهم، والتخلص من إزعاج منصات قطر الإعلامية الملونة أو ترشيده، وتقليص تحركات الدوحة في الظهير الأفريقي بالسودان ومنابع النيل، تليها الإمارات بالتقدم لموقع الشريك المباشر للولايات المتحدة الأمريكية في الخليج، وتأكيد حضورها الإقليمي المؤثر بعد سنوات من النشاط الدؤوب في الساحة الأمريكية عبر سفيرها يوسف مانع سعيد العتيبة، نصف الإماراتي/ نصف المصري، ثم تأتي الولايات المتحدة الأمريكية التي تتأهب لمعركة الرقة وتحتاج قبولا سعوديا للعمل ضد داعش والميليشيات المسلحة في المنطقة، وقطاع كبير منها يقوم على مسلك عقدي وهابي، وتلقى دعما مباشرا من الرياض في أحايين كثيرة.

تأتي رابعا في قائمة الرابحين المملكة العربية السعودية التي تؤكد من خلال هذا التحرك هيمنتها على فضاء الخليج وقدرتها على التأثير المباشر في اللاعبين الأساسيين على ساحته، ثم البحرين التي ستضمن عبر الدخول في هذه الزمرة تحجيم النشاط الإيراني في ساحتها، وإطلاق يدها في التحرك ضد الناشطين الشيعة من أغلبية مواطنيها، ثم تأتي سوريا التي يوفر لها الموقف العربي الأخير فرصة لفرض الرؤية الرسمية على ساحة الصراع وحلحلة الأوضاع وفق أجندة الدولة السورية، وبالمنطق نفسه تحل ليبيا ضمن الرابحين بتزامن هذا التحجيم الحاد للنشاط القطري مع جهودها العسكرية المشتركة مع مصر لبسط هيمنتها على مناطق سيطرة الميليشيات المدعومة من الدوحة وأنقرة.

بين تفاصيل اللعبة وقائمتي الرابحين والخاسرين، لا شك في أن خريطة جديدة للمنطقة يُعاد رسمها الآن، وربما يرى البعض هذا التصور تزيدا وتضخيما، باعتباره يقوم على مفصل صغير من مفاصل المنطقة، عبر دولة لا تتجاوز مساحتها 11500 كيلو متر مربع، ولكن كثافة الخيوط التي ربطت الدوحة نفسها بها خلال العشرين سنة الأخيرة تجعلها أرضا خصبة لتصفية كثير من الملفات وإعادة بناء استراتيجيات وتحالفات جديدة بالمنطقة، وهو ما سيشهده مقبل الأيام.