جردو| قصة قرية في الفيوم تخلو من بطالة النساء

جردو| قصة قرية في الفيوم تخلو من بطالة النساء سيدات جردو تواجه البطالة- تصوير اسراء سمير:

عندما تتجول سيرًا على الأقدام ترى بعينيك مساحات ساشعة من الخضرة، والأراضي الزراعية المكسوة بمحصول الملوخية بدءاً من شهر أبريل وحتى نهاية أعسطس، إنها  قرية “جردو” التابعة لمركز إطسا، بمحافظة الفيوم، والتي أصبحت من القرى الأكثر انتعاشاً في العمالة، وغالباً باتت كلمة البطالة بعيدة عن الذكر داخل هذه القرية، نتيجة تغلب نساؤها على أوقات فراغهم، والبحث عن مصدر رزق يساعد في ظروف المعيشة، يمكنك القول إنها قرية تخلو من بطالة النساء.

تقول سيدة رجب – صاحبة الـ 35 عامًا، إنها لم تجد خيارا ثالث سوى العمل أو الزواج من رجل آخر لتعيش في كنفه هي وبناتها بعد وفاة زوجها.

وتشيف سيدة لـ “الفيومية” أن بعد وفاة زوجها منذ 5 سنوات فضلت العمل والسعي على الرزق من أجل بناتها، فلجأت لتهذيب أوراق الملوخية، أحد الأعمال التي ستسمح لربة المنزل مثلها، أن تقضي وقتا مطولا في منزلها، للقيام على شؤون البيت وحماية بناتها الثلاث، ثم عرضت الفكرة على بناتها اللائي رحبن بالعمل، والانضمام إلى أخريات ممن يقفن على باب الله يوما لطلب الرزق الحلال.

تتقاضى سيدة 30 جنيها لكل جرار محمل بالملوخية بعد تهذيب أوراقه يوميا، لمدة تقترب من ثماني ساعات، مؤكدة أن مهنة كهذه ليست بالعمل السهل الذي تتقاضى فيه أجرا كبيرا مقابل مجهود أقل، وأن هناك من يراجع خلفها تهذيب أوراق النبات وفصلها عن ساقه، وما يبدو من أخطاء يؤجل لليوم التالي، حيث تتجاوز الكمية المستهدف تهذيبها يوميا أكثر من 50 كيلو، في موعد يومي دقيق لتسليم الكمية.

وأضافت سيدة أن وفاة زوجها لم يكن  النكبة الوحيدة في حياتها، فطلاقها من زوجها الراحل على خلفية إنجابها المتواصل للبنات ليكون له ابن يحمل اسمه، دفعها أيضا للعمل، خاصة إنها لا تملك ما تدفعه للمحامين حتى تحصل على نفقة زوجها، مع تلك الأتعاب الباهظة، فما كان من حل سوى العمل، والسعي إلى الرزق.

أما شيماء – حاصلة على شهادة الدبلوم، وابنة سيدة الكبرى، تقول إن العمل بهذه الطريقة، سيكفي كثيرا مما تتطلبه فتاة في مثل سنها تحتاج لجهاز وتحضيرات وأموال تنفق في سبيل عرسها، بعد أن يدق صاحب النصيب الباب، خاصة مع الظروف الصعبة التي تعيشها برفقة أم ثكلى، وشقيقتين غيرها، وأب راحل، لكنها وجدت ما يمكن أن يفعل أخيرا لإنقاذ الأسرة من الهلاك ومد اليد.

تقضي شيماء أوقاتا كثيرة في المنزل، ما يجعلها في حيرة، من كيفية استخدام كل هذه الساعات في شيء مفيد، بدلا من تضييعها أمام التلفاز، وبدلا من أن يكون للأم يومية واحدة، تتضاعف لتكون يوميتين، غير أن تشجيع المشرف بقوله لهم “على قد تعبك هتاخدي”؛ جعل الأم وابنتها أمام هدف الحصول بجانب اليوميتين على يوميات إضافية.

واستطاعت الفتاة -حسب كلامها لـ”الفيومية”- أن تحتفظ بأموال كانت كافية بشكل كبير إلى شراء غالبية جهاز عرسها، ما اعتبرته شيماء نجاحا في التحدي ومغالبة الصعاب التي بدأت بطلاق الأم ثم وفاة الوالد، وهو ما سيكفي أيضا لدفع أقساط أغراض العرس، التي اتفقت على دفعها أسبوعيا لتاجر قروي، في نطاق البلدة.

وترى شيماء أن عملها هذا رفع من فوق كاهل والدتها الكثير من الأعباء، وجعل الأسرة في مستوى مادي معقول، خاصة إذا كانت الأعمال اللتان يقومان بها هي والأم، أعمالا منزلية، لا تقضي بالخروج والعودة في أوقات متباينة، ما سيثير الحديث على ألسنة رواد القهوة المجاورة للمنزل، وسيجلب عليها كثيرا من المتاعب، التي وفرها العمل المنزلي، متابعة أن كثير من أغراض العرس بعد لم تجلب، وستواصل العمل من أجل ذلك.

اقرأ أيضًا:
“الذهب الأخضر”| محصول مهدد بالإنقراض.. و3 قرى بالفيوم الأكثر إنتاجًا

في وجهة نظر حسنية بدوي – 30 عاما، فإن تهذيب وقطف أوراق الملوخية، سبيلا للتغلب على مشكلة البطالة، ومواجهة ظروف المعيشة، وتوفير أموال كافية لابنة في العام الأخير بالمرحلة الثانوية، ما يجعل الحاجة لكثير من الأموال لابد منها، وابن آخر في الصف الثالث الإعدادي، وسط ارتفاع مصروفات الدراسة، والكساء، والغذاء، وغيرها من حاجيات المنازل في قريتنا، حسب حديثها لـ”الفيومية”.

وتضيف حسنية أنها لم تكن لتخجل خلال ذهابها للمنشر، وهناك يتم معاينة ما تم قطفه من أوراق، وتقاضي الأجور، خاصة وهو عمل يدر أموالا لن تسقط من السماء دون عمل وكد، ومشاركة لزوجها في ذات العمل الذي يقوم به، فتكون هي وزوجها جنبا إلى جنب مع نساء أخريات، يعملن ويتقاضين أجرا، ويعدن في آخر اليوم ليقمن بإعداد وجبات عشاء ريفية يلتف حولها الأطفال المنهكين من يوم دراسي طويل، والآباء الذين حصد اليوم عافيتهم.

أمل محمد – احدى السيدات العاملات بمرحلة “تقطيف الملوخية “، تقول في حديثها لـ “الفيومية”، إنها لم تر طريقة التعامل من التجار مرضية لها، خاصة حينما تتعسر في تسليم الشحنة المطلوبة منها في اليوم نتيجة ظروفها الصحية لأنها مريضة سكر منذ 4 سنوات، قائلة: “أنا بتجنب شر صراخ التاجر في حالة تأخيرى عن تسليم الكمية المطلوبة أو إذا وجدها لسيت على قدر من الكفاءة يضطر التاجر بكل سهولة من سحب اليومية”، موضحة أن مواصفات الشحنة الصحيحة فصل الأوراق عن الجذور، الحفاظ على الورقة دون طيها أو ما شابه، بالإضافة لتجنب ملامستها للمياه بأي شكل، مختتمة كلامها أن العمل بهذه المهنة، سر حاجز الفراغ لدى السيدة، وأتاح فرصة البطالة للرجال على حساب زوجاتهم.

وتضيف أمل محمد – 38 عامًا، أم لتوأمين في الصف الرابع الابتدائي، أن أول شهر لها في العمل “منذ سنتين وثلاثة أشهر” كانت تعاني من الإجهاد وآلام الظهر نتيجة الجلوس لفترة طويلة لإنجاز شحنة تقطيع الملوخية وفصل الجذور عن الأوراق في المرحلة الأولى.

تقول أمل: “كنت أواصل العمل من المنزل 8 ساعات يوميًا بجلسة واحدة استمر بها حتى أنتهي من مهمتي لكي أنعم بيوميتي التي ارتفعت للضعف حاليا مقارنة بذي قبل حيث كنت أتقاضى 10 جنيهات مقابل شحنة الجرار الواحد، ولكن اليوم ارتفعت وأصبحت 30 جنيها”.

وأضافت أنه لا توجد مشكلة تواجهها سوى ساعات العمل مقابل اليومية الضعيفة التي تتقاضاها حتى بعد أن تضاعفت، وتساءلت: كيف أعمل 8 ساعات مقابل 30 جنيها؟، مستنكرة: “دي متجبش وجبة غدا للعيال”.

الوسوم