جرائم القتل تهزّ مجتمع الفيوم المحافظ

جرائم القتل تهزّ مجتمع الفيوم المحافظ
كتب -

الفيوم – رانيا جودة ورباب كحك ومينا محسن

عرفت المجتمعات البشرية الجريمة مند بدء الخليقة، ووصفت بأنها من أخطر الظواهر الاجتماعية. وقد ارتفعت معدلات الجريمة فى الفترة الأخيرة بشكل ملحوظ فى كل ربوع مصر بشكل عام، وتتعدد الأسباب التى يبرر بها البعض تلك الظاهرة، لكن كان الغريب أن تتفشى هذه الظاهرة فى مجتمع محافظ وتقليدى وينزع للتدين مثل المجتمع الفيومي الذي طالع أهله قصص العديد من جرائم القتل مؤخرا والتى كانت دوافعها أحيانا الشرف وأحيانا السرقةـ وفى أحيان أخرى الثأر والانتقام. وما يثير الاندهاش أن مرتكبي بعض تلك الجرائم مازالوا أطفالا أو تجاوزوا مرحلة الطفولة بقليل.

“الفيومية” تحاول عبر هذا التحقيق معرفة أسباب تفشي مثل هذه الجرائم البشعة مؤخرا في المحافظة.

فشل مؤسسات التنشئة الاجتماعية

يقول الدكتور خليل عبد المقصود أستاذ علم الاجتماع بكلية الخدمة الاجتماعية جامعة الفيوم: زادت معدلات الجريمة ونوعياتها، ويمكن في هذا الصدد مراجعة تقارير الامن العام لآخر سنتين والمقارنة بالسنوات السابقة من حيث عدد ونوعية الجرائم وخاصة فى الفيوم تلك المدينة التى تتسم بالدعة والهدوء. وقد يكون المسئول عن الجريمة فشل مؤسسات التنشئة الاجتماعية كالبيت والشارع ودور العبادة والأندية الرياضية ووسائل الإعلام. وقد تأثرت الجريمة بكافة المعطيات المحيطة بها واختلفت باختلاف العصر في المجتمع ذاته، وقد أدت التغيرات التي مرت بها المجتمعات المختلفة من أحداث اجتماعية وسياسية واقتصادية وتكنولوجية إلى إحداث تغير وتطور في كم ونوع واتجاه الجريمة.

ويضيف عن أسباب الجريمة: إنها متعددة فقد يكون عدم الاستقرار وعدم الإحساس بجدوى الالتزام والمعاناة التى يعيشها أفراد المجتمع هى ما يدفع البعض لارتكاب الجريمة مثل الشابين اللذين اعتديا على فتاة ثم قتلاها، وهنا السبب الأكثر بروزا لوقوع هذه الجريمة اجتماعى تمثل فى ظروف بيئية صعبة يعيش فيها هؤلاء الجناة. وتفشى الجريمة يخلق مجتمعا فوضويا قائما على اللامعايير، والمعيار الوحيد هو المصلحة الشخصية الأنانية، وفي هذه اللحظة تخلق أجيال غير ملتزمة بالقانون.

عدم احترام القانون

“غياب الأمن يعد أول الأسباب التى تدفع الجانى لفعل الجريمة”.. هكذا يرى د. أحمد شبيب أستاذ القانون بحقوق بنى سويف، ويقول: كيف نطلب من المواطن أن يلتزم بالقانون وهو يرى سيل المخالفات اليومية في الشارع وفى مخالفات المرور والبناء المخالف والباعة الذين يسدون الشوارع الرئيسية؟ تطبيق القانون يعنى أن يلتزم الجميع به وأن تكفل الدولة الأمن والسلام للمواطنين، وإذا لم توقع عقوبات رادعة على من يخالف القانون يستخف المواطن بالقانون ويتجه لأن يأخذ حقه بيده.

نعيش عدم استقرار اجتماعى

ويضيف محمود عمرو، المحامى بالنقض ووكيل أول نقابة المحامين بالفيوم: تحدث الجريمة بكثرة بكل صورها فى أوقات عدم الاستقرار الاجتماعى؛ حيث يجد الجانى المناخ مناسبا لارتكاب الجريمة ظنا منه بأن الدولة بلا قانون أو أنه أصبح معطلا حتى أن البعض من غير محترفى الإجرام يأتون أفعالا تخالف القانون وتستوجب العقاب بفعل انتماءاتهم ومعتقداتهم السياسية أو الدينية، مثل الجريمة التى هزت الفيوم والتى حدثت بقرية “طبهار” عندما قام رجل ينتمى لإحدى جماعات الإسلام السياسى بقتل ابن زوجته عمدا.

البعد عن الدين

ويشير د. عبد الرحمن طه، أستاذ الفقه وأصول الدين بكلية دار العلوم بالفيوم، إلى أن من خصائص الشريعة الإسلامية أنها تساوى بين الجميع فى العقوبة، يقول: على هذا الأساس لا حصانة فى الإسلام لأحد، فالكل تحت القانون سواء، وقواعد الشريعة الإسلامية تتصف بالمرونة ولا يجوز تطبيقها إلا بشروط شرطها المشرع وهو الله عز وجل، فمن أخطأ عليه إصلاح خطيئته وعلى الجانى الجزاء الذى يستوفي جريمته، وحادثة قتل أخ لشقيقته بدعوى الحفاظ على “الشرف” تكمن خطورته فى أنه من ممكن أن يعمم، ويقوم وقتها كل من اشتبه فى الآخر بقتله تحت مسمى الشرف والعرض.

ويقول عن سبب كثرة حدوث هذه الجرائم: ما أشارت إليه حالات أغلب المتورطين فيها أن شخصياتهم اتسمت بقلة الوعي الديني وانعدام التدين السلوكي، والتحقيقات القضائية مع هؤلاء أثبتت أن دوافع أغلبيتهم لا علاقة لها بالدين، وانحصرت فى العصبية والدفاع عن شرف العائلة أو الخلافات العائلية حول الميراث، كذلك الجهل بالدين وعلومه، والإسلام جاء ليهذب النفس البشرية ويقننها ولا يتصادم مع مطالبها، ووضع لها الحلول العلمية والعملية التى تنجو بالمجتمعات قاطبة؛ فجهل الإنسان بدينه وعلومه يفقده معرفة الحلال من الحرام وما يفعله وما لا يفعله وما يحق له وما هو حق لغيره، فتختلط لديه الأمور وتضيع الحقوق ويتصارع عليها حتى الاقتتال الذى يؤدى إلى الفساد العام.

ويضيف: على الدولة وما بها من منظومات تعليمية وإعلامية كإحدى الوسائل التنويرية والتوعوية أن تشكل الذوق العام وتحث على تجنب أى فعل إجرامى.

ويؤكد على ذلك أيضا الداعية الإسلامى محمد رجب ويقول: مشهد الدم أصبح طبيعيا فى ظل هذه الأحداث الراهنة من تطاول وانتهاك للحقوق المشروعة، والإسلام ضبط لنا الأقوال والأحوال والأفعال حتى العواطف فى قاعدة “أبغض بغيضك هونا، عسى أن يكون حبيبك يوما ما”، وقد قال الله تعالى “قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”، وبالتالى ما يحدث الآن من جرائم ترتكب فى حق الإنسانية هو نتيجة طبيعية لغياب الضابط الشرعى من منهج القرآن والسنة والوازع الدينى فى قلب كل مسلم.

ويضيف: القاعدة الفقهية تقول “أينما كانت المصلحة فثم شرع الله”، وبالتالى ما خالف المصلحة العامة والخاصة فهو حرام يحاسب عليه الإسلام، وقد قوّى هذا الشاهد أكثر حديث النبى صلى الله عليه وسلم المشهور “لا ضرر ولا ضرار”، لكن فى هذا الإطار ينبغى أيضا الربط بين النظرية والتطبيق، حيث إن للأمر دوافع وأسباب يجب معرفتها كتشخيص للمشكلة للشروع فى سبل الحل.

المناخ الملائم للتربية

وعن الأبعاد النفسشية لتلك الظاهرة يقول د. محمد عنتر، أستاذ علم النفس والفلسفة بكلية التربية بجامعة الفيوم: إن البيئة المحيطة بالفرد سواء المتمثلة فى الأسرة أو البيئة الاجتماعية إنما هى الأساس الدى يستسقى منه الفرد أنماط سلوكه ويحدد على أساسها ميوله واتجاهاته؛ فالفرد لا يولد شريرا ولا جشعا، والانحراف لا يرجع إلى نقص فى طبيعة الفرد أو إلى نزاعات داخلية فى نفسه، إنما يرجع إلى نقص فى البيئة وعدم تهيئة الجو النفسي والمناخ الملائم للتربية والتوجيه والرعاية بصورة سليمة. والأفراد الذين يقعون ضحية للجريمة فإنهم من خلال التحليل النفسى هم ضحايا مجتمع، والمجرم يختار مجال الأعمال غير المشروعة بدلا من الأعمال المشروعة ويحاول تعظيم أرباحه شأن أى منتج، لذلك على المجتمع رفع تكاليف ارتكاب الجريمة وتقليل إيرادات المجرمين منها بالوسائل الوقائية والعلاجية والعقابية.

وعن تلك الوسائل يقول: قد تكون التربية وخاصة التربية الدينية من أهم عوامل الوقاية من الجريمة بكل أنواعها، كما أن الحد من البطالة ومحاربة الفقر وتحسين توزيع الدخل بين الأفراد يحد من نسب حدوث الجريمة.

اعتقاد خاطئ

أما المقدم مصطفى حسن، رئيس مباحث الفيوم فيرى أن سبب انتشار جرائم القتل هو عدم خوف القاتل وشعوره بأنه سيهرب من العقاب وأن البلد مفككة بسبب انشغال رجال الشرطة بالتظاهرات والأحداث الجارية، وعن ذلك يقول: هذا اعتقاد خاطئ، فتقريباً كل عشرة قضايا قتل يتم ضبط ثمانية من الجناة ويتم تقييد قضيتين ضد مجهول.

ولكنه يشير إلى أن مشكلة أخرى بقوله: سن مرتكبى جرائم القتل بالفيوم يتراوح ما بين 18 إلى 35 سنة، ولا يوجد بالفيوم أحد مسجل قتل، وكل جريمة قتل لها دوافع وظروف مختلفة.