الفيوم في ذيل قائمة التنمية البشرية والصحية.. المستشفى العام تحيطه القمامة.. والمرضى يفترشون الأرض

الفيوم في ذيل قائمة التنمية البشرية والصحية.. المستشفى العام تحيطه القمامة.. والمرضى يفترشون الأرض
كتب -

كتب : ياسر محمد، محمد ياسين، محمد علي

قصة أكثر من مؤلمة .. ومع ذلك فهي جزء من مأساة المصريين غير القادرين على النهوض بنفقات عيشهم فضلا عن علاجهم . فها هو السيد عبد النبي حسين والد الطفل كريم الذي فقد بصره نتيجة الإهمال الطبي وخطأ التشخيص العلاجي يمثل نموذجا دالا على تلك الصورة الأكثر سوادا.
القصة بدأت عندما اشتكى الطفل من ألم في عينيه فذهب به والده لمستشفى التأمين الصحي بالفيوم فتم تحويله لمستشفى التأمين الصحي بالدقي، وبعد عمل الأشعات اللازمة وإجراء الكشف رأى الطبيب أن الطفل سليم تماما، بعدها بأيام فقد كريم بصره وهو بعد لم يبلغ التاسعة. عاد الوالد مصطحبا ابنه مرة أخرى للطبيب فأكد سلامة الطفل، فما كان من الوالد إلا أن ذهب بطفله إلى مستشفى روض الفرج، وكان التشخيص في هذه المرة صادما حيث أخبر الطبيب المعالج والد الطفل أنه يعاني من مياه على المخ وتآكل في عصب الجمجمة ولابد من إجراء عملية فورية لتجنب المضاعفات، غير أن المستشفى رفض إجراء العملية لكريم بحجة أن التأمين الصحي هو من شخص حالته بأنه سليم وعلى الوالد أن يتحمل المسؤلية . هنا يضيف الوالد: “كنت مضطرا لتحمل نفقات العملية واضطررت لبيع كل ما أملك ، ونجحت العملية في إيقاف المضاعفات، لكنها لم تنجح في رجوع بصر كريم. ويضيف الوالد أنه تحدث إلى الصحف والعديد من البرامج التلفزيونية واشتكى لجميع المسئولين، مطالبا بحق ابنه في العلاج . وقد حصل والد كريم على حكم قضائي نهائي بعلاج كريم على نفقة الدولة، غير أن السنوات تمر بينما لا يستطيع تنفيذ الحكم لأن تقارير اللجان الثلاثية تفيد بأن كريم لا يتوفر له علاج في مصر.” وهنا يقول والد كريم : المسؤولون يعاقبونني على شكواي ويقولون لي بمنتهى الصراحة : “خلي برامج التلفزيون والجرايد اللي بتتكلم فيها تنفعك.”
لم تكن هذه المأساة سوى قصة من مئات القصص والحالات التي تصادف كل من يقترب من ملف الصحة في مصر، وهو ملف شهد ولازال تدهورا شديدا بسبب إتباع سياسات رأسمالية لا تهتم بالبعد الاجتماعي ، ما أثر على ميزانيات كل الخدمات الاجتماعية ومنها ميزانية الصحة .
فقد وصل إجمالي الإنفاق على الصحة منسوبا للإنفاق الحكومي 5.4 بالمئة ، وهذا المعدل بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي يتراوح منذ سنوات ما بين الـ 1بالمئة وأقل من 3 بالمئة، وتتضح الفاجعة إذا ما قارنا بين هذه المعدلات وبين نظيرتها في الدول العربية المحيطة ناهيك عن الدول الغربية المتقدمة.
ويستطيع المتابع للأحوال الصحية للمواطن الفيومي أن يتبين حجم الكارثة من خلال متابعة حال المستشفى العام، فالقمامة هي أول معلم من معالم المشتشفى من الخارج والداخل، ويمكن للمارة في طرقات المستشفى الاستماع إلى شكاوى المرضى من سوء المعاملة والتأخير في تقديم الخدمة الصحية والتعتيم على سوء الخدمات الذي وجدناه من نائب المدير الذي رفض التحدث إلينا.
يقول محمد عطية سعيد، المريض الذي يفترش الأرض: “كنت أعالج من مرض السكر على نفقة الدولة، ثم أصبت بالكبد وطلبت علاج الكبد مع السكر فرضت المستشفى علاجي من الكبد إلا بعد مرور ستة أشهر من علاج السكر، ولم أستطع تلقي علاج الكبد إلا بعد انتهاء الفترة .”
وفي نفس السياق يتحدث محمود عبدالعليم أحد المرضى قائلا : “مطلوب مني عمل اشاعة عادية على المسالك البولية ، وقد قضيت يومي في انتظار أخصائي الأشعة.”
أما هويدا علي محمود من قرية طبهار التي تبعد عن بندر الفيوم بحوالي 20 كيلو فتقول: “من سنتين وأنا أتردد على المستشفى وأنا عجوز لا أتحمل المواصلات. ومع ذلك فالدكاترة مش عارفين يشخصوا حالتي وكل دكتور يشخص حالتي عكس الآخر؛ مرة خشونة وواحد تانى يقول روماتيزم وتالت يقول عندك التهابات مفاصل.”
في المقابل ينكر الدكتور مدحت محمد شكري كل ما يتعلق بتدني الخدمة الصحية بالفيوم ويقول: “بصفتي وكيل لوزارة الصحة بالفيوم أقول إن الميزانية المخصصة للصحة بمحافظة الفيوم تكفي لتقديم خدمة جيدة للمرضى، لا نقول أنها خدمة خمس نجوم ولكنها جيدة إلى حد ما، وأظن أن كل المواطنين يلمسون تحسن في الخدمة، على الأقل في الفترة الأخيرة، وخلال الفترة الحالية تم زيادة الميزانية هذا العام بدعم إضافي للمستلزمات الطبية بمقدار 4.5 مليون جنيه تقريبًا.”
أما الدكتور محسن جمعة عبدالعاطي مدير المنطقة الطبية الأولى بالتأمين الصحي فيقول : “الخدمة الصحية متدنية المستوى ولا بد للدولة أن تضاعف ميزانية الصحة، فإذا أخذنا التأمين الصحي مثالا فميزانية التأمين الصحي قائمة على التمويل الذاتي من إشتراكات المنتفعين بالتأمين من ( موظفين وطلاب ومعاشات ورضع ) وتحدد تلك الإشتراكات من قبل وزارة المالية فبالنسبة للطلاب نسبة سدادهم للتأمين الصحي في الفيوم لا تتعدى الـ 30 % وهذا يتسبب في قصور كبير في الخدمة المقدمة للمواطن.”
ويتابع الدكتور عبد العاطي: “هناك بعض الأجهزة غير متوفرة لدينا مما يضطرنا للتعاقد مع مراكز خارج التأمين تتوفر بها هذه الأجهزة وهذا يتسبب في أعباء إضافية على المواطن وعلى مؤسسة التأمين و الميزانية لا تسمح بهذا فإذا كان هذا حال التأمين الصحي الذي لديه تمويل ذاتي فما بالك بحال المستشفيات العامة التي تعمل بدون تمويل وتعتمد فقط على الدعم المقدم من وزارة الصحة.”
ويؤكد دكتور عبد العاطي أن الوحدات الصحية الصغيرة بالقرى بها تدهور عام في كل الخدمات الصحية الموجهة للمواطن هذا إلى جانب العائد المادي المتدني للأطباء حيث يعين الطبيب على 400 جنيه تقريباً فكيف يقدم خدمة صحية جيدة؟
أما سامر سامي شفيق المدير المالي لمديرية الصحة بالفيوم فيقول :”إن ميزانية الصحة بها عجز وهو يؤثر على كل قطاعات الصحة وخاصة رواتب الاطباء الضعيفة وهذا يؤثر على فاعليته في العمل بالمستشفيات ويضطروا للجوء للعمل الخاص.”
ويضيف شفيق: “لو انتقلنا إلى موازنة الأدوية فهي في الفيوم تعادل 13.6 مليون جنية وهذا الرقم لايكفي نهائيا لسد احتياجت المستشفيات لذلك نعاني من نقص الأدوية أما التعزيزات التى نطلبها للميزانية ففي خلال العام نحتاج إلى تعزيز للميزانية لعدم قدرتها على سد المتطلبات.”
ويوضح شفيق: “احتجنا العام الماضي إلى دعم للموازنة التي كانت تبلغ 13.6 مليون جنية وطلبنا تعزيز جاء لنا 4.6 مليون جنية دعم أضافي لميزانية الصحة وخاصة للمستلزمات الطبية ولم يكف هذا المبلغ لسد عجز الموازنة ونلجأ إلى ترحيل مبلغ العجز المتبقي للسنة المالية التي تليها.”
ويؤكد شفيق: “إنه يوجد حالات ضرورية جدا لكي تخرج المستشفى مبالغ من صناديقها الخاصة لكي تسد عجز واضح وضروري سداده؛ مثل سداد مبلغ متبقي لشركات الأدوية حتى لا تمتنع الشركة عن إرسال الأدوية وتسبب أزمة.”
ويقول أشرف إسماعيل محمد رئيس مجلس إدارة جمعية تكاتف المصرية:” إن معظم الوحدات الصحية بالمحافظة لا يوجد بها إنتظام من قبل الأطباء في العمل وأيضًا نقص حاد في الأدوية والأجهزة الطبية التي تكون في معظم الوقت داخل المخازن .”
أما الدكتور أحمد البرعي سكرتير عام حزب الوفد فيقول: “الوضع الصحي في مصر سيئ للغاية والإنفاق على قطاع الصحة أقل كثيرًا مما هو مطلوب، فميزانية الصحة كانت أكثر قليلاً من عشرة مليارات جنيه، أقل من ميزانية الصحة في إسرائيل، التي تعداد سكانها حوالي خمسة ملايين نسمة، فالإنفاق على الصحة فى مصر حاولي 4% فقط من الميزانية.”
وتحتل الفيوم المرتبة الأخيرة في تقرير التنمية البشرية لقطاع الصحة، والقياس النهائي فيها بالنسبة لهذه التقارير يتم على متوسط عمر المواطن الذي يؤثر على مستوى الخدمة وهو في الفيوم يزيد قليلاً عن 63 عام وهو المعدل الأقل على مستوى الجمهورية ويعنى بالطبع أن مستوى الخدمة بالفيوم سيئ جدا وتتجاوز نسبة المرضى في الفيوم 15% من نسبة الجمهورية والنسبة الأكبر لمرضى معهد الأورام بالقاهرة من مواطني الفيوم إضافة لمرضى الفشل الكلوي، التي لا تستوعب أعدادهم مراكز الفشل الكلوي، كذلك مرضى الكبد يمثلون أعلى نسبة إصابة على مستوى الجمهورية.