“السبع وصايا” والنمط الواقعي من التدين

“السبع وصايا” والنمط الواقعي من التدين
كتب -

 الفيوم – عصام الدين الزهيرى

لحيرة بعض الأصدقاء أمام المسلسل الرمضاني الفاتن “السبع وصايا”، أقول: لو حاولت فهم فلسفة “السبع وصايا” من خلال مقارنته بمسلسل آخر لا يقل عنه جمالا ونضجا هو “الخواجة عبدالقادر”، ستتبدد من عينيك هذه الحيرة.

مسلسل “الخواجة عبدالقادر” يرتكز على النظرة المثالية -لا الواقعية- للدين، بمعنى أن حياة الإنسان فيه تنقسم إلى قسمين مفصولين لا علاقة بينهما: طريق الشيطان وطريق الإيمان، طريق الظلام وطريق النور، طريق الإثم والتوبة، النوم واليقظة، نصف الحياة الأول ونصف الحياة الثاني.

هذه هي الفكرة المبسطة -المثالية- عن الدين والتدين وعن الإنسان والواقع، لون مثالي، وأكاد أقول بطولي، غير موجود في الواقع عادة ولا يمكن أن يكون شائعا بطبيعته، ونموذجه الأساسي في تراثنا الديني كان قصة العابدة الشهيرة “رابعة العدوية”.

لكن في مسلسل “السبع وصايا” يجد المشاهد النمط الواقعي، اليومي أو السائد، من الدين أو التدين، إنه الدين الذي يعني به الضعف الإنساني في تعثره داخل دوامة تجربة أكبر وأقوى منه دائما، وأكثر عمقا من قدراته النفسية المحدودة، الإنسان الذي تتكاثر عليه الآثام وتتكاثر عليه التوبات أيضا، والمشدود بين طرفي استقطاب روحي ومادي كبير ومفزع، ما بين الإيمان والسوية وبين الإثم والإلتواء، أي ما بين السماء والأرض.

الدين في “السبع وصايا” ليس هو هذه الفكرة المجردة البعيدة عن الواقع المادي، ليس الدين كما يظهر في هيئة نبي أو متصوف طاهر الروح والنفس وصاحب كرامات، لكنه الدين كما يمكن أن يمثل في الواقع إلتباسًا كبيرًا للعلم البشري المحدود، إلتباس لا فكاك منه دون الاكتواء بنيران التجارب الكبرى، أو تجربة الإنسان الكونية، بعد أن هبط إلى الأرض وحمل الأمانة بإرادته، وهو الذي فاق الملائكة وهو أيضا “الظلوم الجهول”.

الدين يمكن مناقشته في الواقع مثلا كما يظهر على هيئة “سيد نفيسه”، ذلك الرجل الذي قضى عمره في الإثم وفي القسوة -مصدوما أو كافرا بخيانة زوجته التي قتلها- ليتحول إلى ولي وزائر منامات ولغز روحي كبير بعد موته، وهو أيضا الذي يظهر في أحلام أبناؤه، يلازمه مضمون شيطاني صارخ، لكنه يلبس في نفس الوقت ثوب وليّ صالح.

وأبطال المسلسل السبعة هم سبعة أنماط بشرية عريضة، يرصد المؤلف موقف كل منها في تجربة واقع، تجربة إثم، تجربة مادة، ويمكن لكل مشاهد أن يجد ذاته داخل نمط من هذه الأنماط السبع الشائعة أيضا.

أما جرائم القتل والمغامرات العجيبة التي يوالي أبطال المسلسل خوضها وارتكابها والتورط فيها، كما يوالون الندم عليها أيضا، فهي بنفسها تقلبات النفس في الواقع، عذابها بين المثالي والحقيقي، بين المرجو والماثل، بين نورانيتها وشهواتها.

بفك هذه الشفرات الصوفية يكون المسلسل مفهوما للمرء أكثر، وتتضح سر جاذبيته لقطاعات كبيرة من المشاهدين، يبدو أنه لا يعجبهم رغم ذلك!، لأنه مسلسل ترى فيه نفسك فلا ترضى عنها لكنك لا تكرهها بالطبع، ويقدم لك الواقع كما تشعر أنه هو فتسر به، لكنه في نفس الوقت ليس هو الواقع كما ترغبه النفس وتتمنى أن تكون، مما يجعل المشاهد يشعر كأنه لا يرضى عن مجمل العمل رغم كل هذا الانجذاب إليه.