“التحرش”.. جريمة تنهش عرض المجتمع

“التحرش”.. جريمة تنهش عرض المجتمع
كتب -

الفيوم – رانيا جودة:

“دخلت في نوبة من البكاء الهيستيري، وهي تصف ما حدث لها: “مجموعة من الكلاب كانت تنهش جسمي، أحاطوني في دائرة كانت متسعة ثم ضاقت عليّ بعد أن زاد عددهم، لم يرحموا توسلاتي بأني زي أختهم، جردوني من ملابسي، لم يسمع أحد صراخي في وسط الاحتفالات، بعد فترة ليست قصيرة، شاهدني بعض المحتفلين وأنقذوني منهم وغطوني بملابسهم”، هكذا قالت ضحية التحرش الذي جري بميدان السواقي في الفيوم ليلة الاحتفال بتسليم الرئيس عبدالفتاح السيسي السلطة، وهو نفسه الفعل الذي تكرر أكثر من مرة في ميدان التحرير وسط جموع المحتفلين، ما يمثل ظاهرة تستدعي أن نقف أمامها بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

“ولاد البلد” تفتح ملف قضية “التحرش الجنسي” وتحاول معرفة أسباب المشكلة وكيفية حلها.

سلوك عدواني:

يعرف الدكتور عبدالمجيد زيد، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الفيوم التحرش الجنسي بأنه سلوك جنسي متعمد من قبل المتحرش، يسبب إيذاء جنسيا أو نفسيا أو حتى أخلاقيا للضحية، وتتعرض له الأنثى في أي مكان سواء كان في الأماكن العامة مثل مكان العمل والشارع والمواصلات العامة، وأحيانا يقع داخل محيط الأسرة أو الأقارب أو الزملاء، ويقوم بالتحرش إما فرد أو مجموعة من الأفراد يستهدفون امرأة أو مجموعة من النساء، وقد يقوم به شخص ذو سلطة.

وليس من الضروري أن يكون سلوكا جنسيا معلنا أو واضحا، بل قد يشمل تعليقات ومجاملات غير مرغوب فيها مثل الحملقة، والصفير، والعروض الجنسية، والأسئلة الجنسية الشخصية إضافة لبعض التلميحات الجنسية، واللمسات غير المرغوب فيها، وكلها أشكال من الإيذاء والتحرش الجنسي وعادة ما يستهدف الرجال بها النساء.

ويضيف “زيد” أن التحرش من أشكال العنف ضد المرأة، وسلوك عدواني يقصد به المتحرش الاعتداء على كرامة وحرية المرأة، ويحمل المجتمع المسؤولية حيث يتعامل مع المرأة بعقلية وأفكار رجعية وعادات وتقاليد بآلية، ومفاهيم خاطئة فيما يخص طبيعة عملها أو ملابسها، وكلها أفكار يباركها مجتمعنا الذكوري.

تدني أخلاقي:

أما هيثم عطاء الله محمد، باحث بكلية الخدمة الاجتماعية ومدير نقابة المهن الاجتماعية بالفيوم، فيقول في ظل المتغيرات التكنولوجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة وفي ظل عصر السماوات المفتوحة بلا شك أثرت ظاهرة التحرش على المجتمع المصري مع تراكم مشكلاته المتفاقمة مثل البطالة والفقر والعنوسة والسكن، ليجد الشباب نفسه في مأزق لا يستطيع أن يجد ذاته ولا يجد الاهتمام والرعاية به، فينصرف نحو فعل سلوكيات أو تصرفات تسئ لنفسه ولمجتمعه.

ويضيف أن الظاهرة، ناتجة عن انفلات وتدني أخلاقي وقيمي بالمجتمع المصري، فهي ظاهرة تكثر في المواسم والأعياد والأماكن المزدحمة يقوم بها أشخاص تجردوا من إنسانيتهم يتربصون بالنساء والفتيات في الشوارع والطرقات ضاربين بالقوانين والقيم والأخلاق بعرض الحائط، ولم يجدوا من يردعهم في ظل عدم وجود قانون لمواجهة التحرش.

ويعتقد عطاء الله، أن التعديلات التي أقرها الرئيس السابق المستشار عدلي منصور وتم بها تغليظ العقوبة، ليست كافية ويجب أن تتم بالتوازي مع القانون على أن تتحرك جميع أجهزة الدولة المختلفة من خلال وسائل الإعلام والصحافة والجامعات والنقابات ودور العبادة لعمل توعية وتثقيف كامل للأسر وتوضيح خطورة تلك المشكلة وأبعادها وتأثيراتها على الأسرة والمجتمع ككل.

ويذكر عطاء الله تجربة له في الجامعة يثبت من خلالها كيف أن مؤسسات الدولة كانت تتعامى عن بحث ودراسة هذه المشكلات، قائلا: “كنت أود دراسة ظاهرة التحرش مع موضوعات أخرى مثل الاغتصاب والزواج العرفي، وقد عرضت تلك الأفكار على أحد أعضاء هيئة التدريس منذ ثلاث سنوات لكنها رفضت بحجة أن ثقافة المجتمع وأن هذه مشكلات لها حساسية”.

ويكمل عطاء الله: “إذا دفنا رؤسنا في الرمال فأننا لن نحل أي مشكله تواجهنا”.

خطوة جيدة:

وتطالب نعيمة حسني، نقيبة الاجتماعيين بالفيوم، بتشديد العقوبة لأن انتهاك العرض والكرامة لا بد أن تكون عقوبته الإعدام.. كما ترى أن مؤسسات التنشئة الاجتماعية من الأسرة، والمدرسة، ودور العبادة والأندية، عليها دور رئيسي في حل المشكلة.

وتضيف: “كما أن على الدولة أن تنشئ مؤسسات تتبنى القضية بجدية وتتعامل مع أفراد المجتمع بشكل صحى ممنهج عن طريق وزارة خاصة تهتم بالمرأة”.

وتقول حسني إن حالات التحرش في الفيوم متوسطة مقارنة بباقي محافظات مصر وفي العام الماضي وقعت حالة تحرش من أحد طلاب الثانوية بطالبة وتم التعامل معه وتسليمه للشرطة، وهذا العام الحالة الواقعة التي جرت أثناء الاحتفال بتسليم السلطة للسيسي، مؤكدا أنه حتى لو كانت حالة واحدة وتم معرفتها، فأن هذا الفعل يمثل تهديد لأمن المرأة.

وترى حسني أن خوف السيدات والفتيات على سمعتهن هو سبب أن حالات تحرش كثيرة لا يتم الإفصاح عنها.

من جانبها، تشيد ليلى طه، مقررة المجلس القومي للمرأة فرع الفيوم، بقرار المستشار عدلي منصور، واعتبرته خطوة مهمة للقضاء على الظاهرة، التي تعتبر انتهاكا للمرأة المصرية.

أسباب ومطالب:

وفي السياق نفسه، تقول ضحى ممدوح، عضوه بالتيار الشعبي المصري بالفيوم وطالبة جامعية، إن القانون خطوة جادة، لكن لا بد من تكثيف التواجد الأمني في الشارع  بصورة مستمرة، وتخصيص ضابط بكل قسم شرطة لتلقي بلاغات التحرش والتحرك الفوري تجاه الحدث، بالإضافة إلى تأمين جميع التجمعات بالشرطة.

وترى أن أسباب الظاهرة تعود لغياب الوعي وإهمال الأسرة، وسوء الحالة الاقتصادية التي يعاني منها المجتمع، بالإضافة للأفكار المتخلفة عن الأنثى التي تحكم عليها من خلال ملابسها.

وتعتقد ماجدة سعيد، ربة منزل، أن ملابس الفتاة ليست السبب لأن التحرش قد يحدث مع فتاة منقبة، موضحة أن الأسرة هي المسؤولة عن التنشئة.

وتضيف، مدارسنا تغرس في الأطفال ألا يخالط الأولاد الفتيات والعكس، وتفصل بينهم، ولأن الممنوع مرغوب يبدأ الصراع يكبر مع الأطفال حتى يصلوا لمرحلة الشباب وينتج عنه هذه التشوهات.

“معرفة جذور المشكلة أولا حتى يسهل حلها” هكذا يرى محمد الجبيلي، الطالب بجامعة الفيوم، ويعتقد أن أسباب المشكلة هي تأخر سن الزواج ، وضعف الجانب الأخلاقي والديني في المجتمع, مؤكدا أنه يجب تغليظ العقوبة لتكون السجن 10 سنوات.

السينما والإعلام:

وهناك رأي آخر في أسباب المشكلة يعرضه أحمد شاكر، عضو بالمجلس القومي للشباب بالفيوم، قائلا: “وسائل الإعلام تركز على المجرم فيرتكب آخرين الجريمة سعيا وراء الشهرة، كما أن السينما أصبحت تعرض أفلاما تثير الكبت الجنسي لدى الشباب الذي يعيش ظروفا اقتصادية صعبة تحول دون زواجه”، ويرى أن مواجهة هذه الظاهرة والقضاء عليها يكون بتشديد العقوبة.

ويقول أحمد زيادة، عضو بجمعية أهلية، إن التحرش جريمة كبرى يجب التعامل معها بعقوبة كبرى، كما أنه ظاهرة تدق ناقوس الخطر، موضحا أن الجمعية أرشدت كثير من الفتيات والسيدات بالجمعية لكيفية الدفاع عن النفس وخطوات التحرك القانوني.

القانون قاصر:

أما أمنية عبدالوهاب، طالبة بالمرحلة الثانوية، فتقول إنها تتعرض كثيرا للتحرش اللفظي، ما يشعرها بالخوف وعدم الأمان، خاصة عندما تتخيل أن المتحرش يعتبرها فريسة ويأتي الوقت ليزيد تعدي المتحرش ويصبح فعلا وليس قولا، وترى أن هناك صعوبة في تطبيق القانون كما جاء بنصه.

وتعلق ياسمين حسام الدين، محامية وعضو لجنة الحريات بحزب “العيش والحرية” (تحت التأسيس)، المسؤولية في رقبة الحكومة والمجتمع، وترى أن تغليظ العقوبة ليس الحل الجذري للمشكلة، لأن لها بعد اجتماعي واقتصادي، وتغليظ العقوبة يمكن أن يخلق حاله تعاطف مع المتحرش، إضافة إلى وجود أنواع من التحرش يستحيل إثباتها مثل التحرش اللفظي، أو هروب المتحرش بعد فعلته دون معرفة هويته.

وتضيف “حسام الدين” أن الظاهرة من فترة  والدولة غضت النظر عنها  حتى تفاقمت، وللأسف أحيانا يشاهدها الشارع  وكأن ما يراه طبيعي الحدوث وفي أغلب الوقت يتم إلقاء اللوم على الفتاة.

وما يعمق المأساة تشدد على أنه ليس الرجال فقط من يتبنون أفكارا متخلفة عن المرأة، لكن كثير من السيدات يعتبروا أنفسهن مسخرات للمتعة والجنس فقط، ويجب أن يختبئوا في منازلهم وأن أجسادهن شيء مشين لا بد من تغطيته.. ومفهوم المساواة روج بشكل خاطئ وغلبت عليه تفسيرات دينية متخلفة.

ويعتقد محمود عمرو، وكيل نقابة المحامين بالفيوم، أن القانون قاصرا والعقوبة به غير رادعة، ويقول: “القانون أغفل حالات التحرش بعنف أو ملامسة جسم المجنى عليها أو عليه، كما حدث بحالتي ميداني التحرير والسواقي”، ويوضح: “أتصور أن ملامسة جسم المتحرش به أو بها بعنف يجب أن تكون عقوبتها مثل عقوبة الاغتصاب، لأنها جريمة مكتملة الأركان، ويجب أن تنظر في دوائر مستعجلة وينشر في الجريدة الرسمية وغيرها من وسائل الإعلام كل بيانات وصورة المتهم بعد الحكم عليه نهائيا كعقوبة تبعية”.

إصلاح ديني:

ويتهم الشيخ مصطفى وافي، رئيس المنطقة الأزهرية، السينما، فيقول: “العروض السينمائية المنحلة هي التي تفسد أخلاق شبابنا، باعتبارها المؤثر الوحيد في نفوسهم وعقولهم وتجعلهم يتصورون ارتكاب الجريمة وكأنها (موضة) يجب تقليدها بشكل أعمى، وكأن المجتمع يبيح لهم ذلك دون الرجوع للعقل والدين”.

ويضيف: “المتحرش إنسان غاب عقله ووصل لمرتبة حيوانية.. والقانون الجديد العقوبة به ضعيفة جدا ولا بد من تشديدها على هؤلاء المجرمين اللذين أباحوا هتك العرض وأحلوا حرمة الإسلام”.

من جانبه، يقول القمص ميخائيل أستراس، وكيل مطرانية الفيوم، إن القانون بداية جادة وإن كان يحتاج إلى تشديد العقوبة، ويشير إلى أن جميع الأديان السماوية تدعوا إلى التمسك بالأخلاق والآداب العامة واحترام الشخص للجنس الآخر، وإلى أنه لا بد أن ترتبط أخلاقنا بالدين الذي نحن عليه.

 

ويرى “أستراس”، أن بعض شباب مصر في حاجة إلى تقويم وإصلاح ديني من خلال الكنيسة والمسجد، حتى نستطيع أن نقضي على هذه الظاهرة الخطيرة.

مجتمع محافظ:

ويقول المقدم وائل عبدالحي، رئيس مباحث بندر الفيوم، إن حالات التحرش التي حدثت مؤخرا حالات ممنهجة قامت بها عناصر تابعة لجماعة الإخوان، فحالات التحرش أثناء الاحتفالات بتولي السيسي رئاسة البلاد حدثت في أكثر من محافظة وفي وقت واحد وهذا دليل على أن المتحرشين تم توجيههم لارتكاب مثل هذه الجرائم.

ويشيف أن القانون الذي تم تعديله لم تكن العقوبة به كافية لمثل هذا العمل الإجرامي المشين.

وعن تكرر حالات التحرش في الفيوم، يؤكد: “التحرش يحدث بجميع محافظات الجمهورية وأصبح ظاهرة عامة تتفشى في المجتمع المصري ككل، ولأننا نعيش في مجتمع ريفي ومحافظ، لا ترغب فتيات وسيدات الريف الدخول لقسم الشرطة والإبلاغ عن ما حدث لهن خشية القيل والقال، ما يزيد من تفشي الظاهرة فأغلب المجني عليهن يتخلين عن قضيتهن، وفي حالة التحرش الأخيرة التي جرت بميدان السواقي بالفيوم حررت المجني عليها محضرا وتم ضبط المعتدين”.

كارثة اقتصادية:

ويرى ماركو جرجس، باحث اقتصادي، أن زيادة معدلات التحرش من شأنه أن يهدد عملية مشاركة المرأة في الحياة السياسية ومشاريع التنمية، فضلا عن أثرها النفسي السيئ على النساء.

ويقول: “فكيف تستطيع المرأة المطالبة بحقها في المشاركة السياسية، وتفعيل تمثيلها بنسبة 25% في المحليات، وأن تناضل أيضا لحصولها على مائة مقعد بالبرلمان؟ كيف تسطيع وهذا الوحش يطاردها في الشارع ومكان العمل؟”.

ويضيف جرجس أن الإحصائيات تشير إلى أن أكثر من 33% من الأسر تعيلها امرأة، والغالبية العظمى من النسبة الباقية تساعد وتشارك المرأة في الحصول على دخل الأسرة المادي، وسيدات الفيوم بما أن الفيوم من المحافظات الفقيرة يساهمن بشكل واضح في اقتصاد أسرهن، وعليك أن تذهب للأسواق لترى العدد الهائل من البائعات.. كما أن نسبة النساء اللائي لهن حق التصويت في الانتخابات قاربت النصف.. وهذه مؤشرات لها دلالات هامة جدا فلو لم تتصدى الدولة والمجتمع لجريمة التحرش، وعادت المرأة بشكل قسري للبيت لواجهت المجتمع كارثة اقتصادية كبرى”.

عجز علمي:

التحرش الجنسى لن يعالج بالفضيلة، هكذا بدأ عماد الدين هلال، أمين حزب التجمع بسنورس، مضيفا: “لقد تحول علماء الاجتماع إلى رجال دين، ولجاءوا إلى الأسباب الجاهزة وظهر عجزهم العلمي عن التفسير الصحيح للظواهر التي تضرب المجتمع.. ومناقشة قضية التحرش من زاوية أخلاقية فقط يغلق الباب أمام مناقشة أعمق لهذه الظاهرة، التي تطرح مجموعة من الأسئلة يجب الإجابة عليها، منها هل لملابس المرأة علاقة بالتحرش؟ مع معرفتنا بأن محجبات ومنقبات تعرضن للتحرش، وملابس المرأة المصرية حتى السبعينات كانت أكثر عريا وإثارة، فلماذا لم نشهد هذه الحوادث آنذاك؟، وهل هناك علاقة بين المستوى المادي للمتحرش وإقدامه على هذا الفعل؟ مع العلم بأن بعض المتحرشين من أسر غنية.. وهل السكن في العشوائيات له علاقة بالتحرش؟ مع العلم بأن الكثير من المتحرشين من مناطق حضرية.. وهل للبعد الديني والأخلاقي علاقة بالتحرش؟ وغالبية المتحرشين من أسر متدينة”.

ويعتقد هلال، أن من أسباب هذه الظاهرة تتمثل في تربية المجتمع الذكورية التي تلقي باللائمة دائما على الأنثى المفعول بها، والكبت وصناعة تابوهات تحرم مجرد اللمس أو التعرف على الآخر، وكذلك أسباب اقتصادية مثل الفقر والبطالة، وعدم القدرة على بناء مؤسسة الزواج. كما أن الدولة لم تضع هذه الظاهرة على الكريهة في سياستها العامة وتركتها تتفشى دون ردع قانوني، ولم تطرحها على مؤسساتها لبحثها وإيجاد حلولا لها.