الإهمال يصيب «النزلة».. أقدم مكان لصناعة الفخار بالفيوم

الإهمال يصيب «النزلة».. أقدم مكان لصناعة الفخار بالفيوم
كتب -

الفيوم – منال محمود

قرية النزلة، إحدى القرى التابعة لمركز يوسف الصديق، بمحافظة الفيوم، اشتهرت بصناعة الفخار منذ عقود طويلة، وبوجود أمهر صانعي الفخار بها، في مكان منخفض يسمى وادى النزلة، لانخفاض مستواه عن الطريق بما يقرب من  15 مترًا. لكن شهرة “النزلة” راح بريقها نتيجة ما تعانيه القرية من إهمال، وبعد أن كانت  خلية نحل بما تحتويه من أمهر  صانعي  الفخار في المحافظة، أصبح أهل البلدة من أصحاب الحرفة يهجرونها بحثًا عن الرزق بعد إهمال صناعة آبائهم.

يقول محمد حسن، الذي جاوز عمره العقد السادس، أحد أكبر صانعي الفخار بالقرية: “منذ طفولتي أعمل بالفخار أنا وعائلتي، بعد أن توارثت الصنعة من أجدادي، والآن لدى 7 أبناء علمتهم كلهم هذه الصنعة، لكن منهم من سافر للعمل في شرم الشيخ والقاهرة، ومنهم من يقضى فترة  الخدمة العسكرية”.

ويضيف: “لدينا مشاكل كثيرة هنا في الوادي وأفضل أن يسافر أبنائي عن البقاء هنا دون عمل”. ويقول: “البلد مش زى الأول حياتنا كلها أصبحت مشاكل، شغلنا قل بنسبة كبيرة والمكان أصبح غير الأول، وأهل البلد جعلوا من المنطقة المحيطة بالوادى (مقلب زبالة) واشتكينا كتير للمجلس المحلي بس مفيش حد شغال والكل عايز فلوس”.

ويقول جمعة، أحد أبناء محمد حسن، والذي فضل البقاء معه على السفر: «عندى 20 سنة نشأت وانا أري والدي وعائلتي جميعها تعمل في نفس الصنعة، وكانت مساحة الوادي التي كنا نعما بها أكبر بكثير مما هى عليه الآن، وعدد العمال والصنايعية أضعاف ما يوجدون حاليا، وكان هناك 21 فرن لم يبق منهم سوى 5 أفران تعمل فقط.

ويتذكر ما كان عليه الشغل سابقا ويقول: «كان في السابق هناك من يأتي إلينا بعينات لكي نعمل طلبيات عليها، كان الشغل كتير وكان هناك تصدير لدول أجنبية مثل فرنسا وهولندا، وكان ذلك منذ ما يقرب من عشر سنوات، أما الآن الشغل محدود وفي الغالب عبارة عن شغل للاستهلاك المحلي للقرى المجاورة التي تستخدم  منتجات الفخار كأواني للمياه وأوانى خاصة بسقاية الطيور وأخري لحفظ منتجات الألبان.

ويضيف «جمعة»: «الصنايعية ملت وكثير منهم ترك العمل، وحاولت أن أترك العمل مثلهم وأعمل في مجال آخر، ولم أستطع، لذلك رجعت لأني لا  أعرف سوى هذه المهنة، ونعمل هنا عائلة واحدة، حيث تعلمت على أيدى الكبار منهم أسرار الصنعة المهن، وأكثر ما يضايقنى أن المكان كان فى الماضى عبارة عن مكان سياحى بالدرجة الأولى، وأصبح الآن مهمل والسائح عندما يأتى إلينا لا يشعر بالسعادة لزيارتنا وفى أوقات كثيرة لا يعرف كيف يوصل لنا، لأن المياه  الجوفية ومياه الصرف التي تشبعت بها الأرض تتسرب إلى الوادي، وكذلك أكوام القمامة، ما يضايق السائح عندما يأتي إلينا».

وفى السياق ذاته يقول حسن يونس محمد، أحد  العاملين بالمكان: «هذا المكان له تاريخ، لقد توارثنه عن أجدادنا، ويعتبر وادى النزلة من أقدم الأماكن التي عملت فى صناعة الفخار في محافظة الفيوم ومصر، ولقد دربنا العديد من الشباب، ولهذا التاريخ  يجب اعتبار «وادى النزلة» محمية طبيعية من جانب المحافظة لكى يتم الحفاظ على تاريخه الطويل، خاصة وأن الوادي الآن يحتاج كل الجهود للمحافظة عليه وتطويره وحمايته، فقد طالبنا بعمل طريق ممهد يوصل إلى الوادي لكى تسير عليه السيارات بصورة سهله لنقل البضائع، حيث نواجه مشكلة مع التجار والموزعين».

ويتذكر «يونس» عندما أتي تاجر إليهم، وعندما شاهد الطريق الذي تأكل بفعل الإهمال والمياه الجوفية والقمامة التي تحيط به، لم يتمكن من تحميل بضاعته، مشيرا إلى أن هذا التاجر أنشأ مصنعا خاصا في منطقة كوم أوشيم على طريق الفيوم-القاهرة، وعمل لديه بعض العمال من القرية.

ويوضح أن مصانع كوم أوشيم اثرت على وادي النزلة، وعلى العمل به لأن طبيعة المكان هناك أسهل في النقل ووصول السيارات،  ما أدي لأن يذهب العميل إلى هناك، وبعد أن كانت النزلة المكان الوحيد لصناعة الفخار بالمحافظة، أصبحت منطقة كوم اوشيم منافسًا قوىًا جدًا، ولم يعد للنزلة سوى الأسواق المحلية القريبة التي يباع فيها إنتاجها.

ويضيف، أن صناع النزلة يتكلفون مصاريف زيادة بسبب نقل الطينة المستخدمة، بسبب صعوبة الطريق والنزول إلى الوادى، حيث يشترون  “نقلة” الطينة بثمانين جنيه، ويتكلف نزولها إلى الوادى 80 أخرى، بالإضافة إلى أن الطينة أصبحت قليلة جدًا وإن وجدت تكون غالية جدًا.

ويقول “يونس”: “عملنا (اتحاد فخار النزلة) من عمال الفخار واشتكي الاتحاد للمحافظ السابق وأتى إلينا هنا مرة ووعد بحل مشاكلنا ولكنه لم يفعل شيئا. ولو عندنا فلوس أو مستثمرين كنا طورنا شغلنا، ولكن للأسف نحن نعمل لسد احتياجاتنا  اليومية فقط بأقل الإمكانيات”.

ويقول محمود محمد، الذي يعمل بصناعة الفخار مع والده، عندى 25 سنة ونفسى أساهم في تطوير المهنة من عمل أفران كهربائية بديلة للأفران الموجودة، فنحن نستخدم نشارة الأخشاب وأعواد الذرة الجافة «البوص».  

ويضيف «محمد» أن الإمكانيات هنا محدودة ولابد أن تقف المحافظة والمجلس المحلى معنا وتوصل الكهرباء للمكان، لأننا إلى الآن بلا كهرباء فى الوادى، وكان يشاع أننا نحرق في الأفران باستخدام المازوت أو السولار وجاءت لجنة من البيئة واكتشفت اننا بنشتغل على النشارة والبوص فقط، نحن لا نضر البيئة ولا نكلف الدولة سولار أو غاز، لكننا نريد أفران حديثة، ولم يساندنا أحد من المسؤولين سوى محافظ الفيوم المرحوم عبدالرحيم شحاتة،  الذي أنشأ، جمعية الفخار.