أيمكن للإنسان أن يبدأ من جديد؟ أن يبنى حياتين في حياة واحدة؟ ص9 يقول الطاهر مناجيا نفسه الطاهر الذي خرج من أرضه مدحورا, تائها, لا يتوقع من مقبل الأيام سوى الذل والعذاب. لكن ما السبب؟ ماذا حدث كي يرحل ويترك خلفه أرضه وتاريخه؟ الأخ الأصغر قاسم كان السبب, قال عيونها نادتني فلا تحاول.ص11, يتساءل الطاهر غير مصدق بعد أن حلت الكارثة, لا أفهم كيف تسلب عينان الرجل عقله وارادته! ص13, كأن الرجل دون أن يدرى أو يعرف, يدفعنا لآستحضار بيت شعر لجميل بن معمر: أسائلكم هل يقتل الرجل الحب؟

نعم كان للحب دورا في حياة أسرة الطاهر والرواية ككل، لكن ليس الحب وحده الذي لعب دورا في  “أبواب الفجر” بل التاريخ أيضا.

أحداث الرواية أثناء فترة العشرينييات, مقاومة الريف الباسلة ضد المستعمرين الأسبان، تلك الفترة بأحداثها وأماكنها وأشخاصها, بمثابة العمود الفقري للرواية.

والسؤال هل “أبواب الفجر” رواية تاريخية؟ ومعروف أن ضمن توضيحات وتفسيرات الرواية التاريخية, استحضار أو استدعاء حقبة تاريخية وحوادث مؤثرة وقعت في الماضي, من أجل فهم ما يحدث في الواقع الراهن واستجلاء كنه بعض الإشكاليات السياسية التي يكون لها في الغالب جذورا في أحداث الماضي، كما يمكن قراءة استدعاء الحدث التاريخي وتأطير الرواية به وتوظيفه, كنوع من التحذير والإسقاط. وربما أيضا التنبؤ واستشراف بداية ذات توجه مختلف لما يحدث.

على أية حال لن أتوقف طويلا أمام فكرة تصنيف الرواية, لكنني سوف أبدا الحوار مع أشخاصها وأماكنها وأحداثها, لعل ذلك يساعدنا في فهم ومعرفة أبعادها الفكرية والجمالية معا.

المحطة الأولى, الزمان في “أبواب الفجر” فترة العشرينيات ومقاومة الريف ضد المستعمر الأسبانى، تلك الفترة الزمنية بتواريخها وأحداثها وتشعباتها ومساراتها سيطرت وأطرت الرواية, وربطت أيضا الأماكن المختلفة, جبال الريف, الغابات, الأنهار, السهول وبعض المدن والجزر مثل: مليلية, تطوان, سبته, مرافي جزيرتي بادس والنكور المحتلتين، فاس, جزيرة بيليث دي لا كوميرا.. إلخ ببعضها البعض ، كذلك لعب الزمان دورا مهما في ربط الشخصيات بالحدث والفترة التاريخية، يتجلى ذلك حين يحكون ويسردون قصصهم, يتساوى في ذلك خوان خوسيه والكامل, وشمس الضحى وسلام ولد الطاهر والحسن والصحافي الأسباني ..إلخ الكل يحكي ويتكلم عن الحرب والمقاومة وتأثير تلك الفترة على حياتهم ومصائرهم، من محطة الزمان إلى المكان.

المكان في هذة الرواية طارد ومستقبل معا، يخيف وفي نفس الوقت يحمي, “من أفلت من الحملة حيا هام على وجهه محتميا بقمم الجبال, أو بالغابات, أو بزوايا الشرفاء, أو بالبحر.”ص83, فالطاهر وأسرته أجبروا على الرحيل من مكانهم الأول، قام الطاهر بحرق أرض وممتلكات من أجبروه، ثم حل في مكان جديد, استقبل بترحاب فبدأ يبنى ويزرع ويعمر.

المكان أثر في الأشخاص بقوة, كما تأثر أيضا بأفعالهم وعبثهم وعنفهم، المكان صار رمزا كذلك, لمقاومة الغازي, فقد ثار سكان الريف بعد أن اعتدى الأسبان على منطقة أو ضريح سيدى رياش.

أما شخصيات “أبواب الفجر” جلها قوية, شديدة المراس, تؤمن بما تعتقده وعلى استعداد لدفع الثمن من أجل ما تسعى إليه، الطاهر وقاسم, الطاهر كبير ورأس الأسرة, قاسم الأخ الأصغر الذي تسبب فيما آلت إليه الأسرة.

تقول “الياقوت “زوج قاسم عن الأخوين” كأنهما وجهان للشخص ذاته، لا أقصد أنهما يتشابهان. فالبون شاسع بينهما شكلا, وطبعا, وخلقا، غير أنهما لا يتناقضان, بل يتكاملان . “ص31 الياقوت شخصية قوية وفارقة أيضا،

امرأة عركت الحياة وخرجت للتجارة والأسواق وهي الجميلة التي تسبى العيون والعقول, لكن, طبعك حاد, وعنادك لا يعادله إلا ذكاؤك,, ص36 كما قالت أمها، لقد انقلبت وتغيرت بعد رفض الطاهر الزواج منها بعد موت قاسم، دفعت أبنيها الكامل وعمار للمطالبة بالميراث والاستقلال بمال أبيهما بعيدا عن الطاهر.

أتوقف عند شخصية الكامل ولد قاسم, أو كما جاء فى الفصل الخاص به: العاشق والبحر. “قال أخى: الحب أعماك وقالت أمي: تعيش في الأوهام مثل أبيك. “نعم شخصية الكامل تشبه قاسم الأب, يحب الحياة, يكره القيود, يندفع وراء مشاعره, ويحب بعمق. لقد أحب بنت عمه, لكن الطاهر عمه رفض أن يزوجها له، بعد محاولات ومعاناة انصرف إلى البحر والتجارة، أما شمس الضحى حبيبته فقد قاومت هي الأخرى بطريقتها, حاولت قتل نفسها بالسم, لكنها لم تمت وأنقذها الأسير الأسبانى.ص152

ضمن الشخصيات التي لها علاقة بالكامل وأيضا شخصية مهمة ولافته, خوان خوسيه بيريث, جاسوس إدارة الشؤون الأهلية، وتاجرالمواد الغذائية والمواد الاستهلاكية البسيطة، بواسطة العمل في التجارة قابل وعرف الكامل “في مليلية سألتقى بصديقي الكامل، المغربى الوحيد الذي يمكن أن أنعته بتلك الصفة, لأنه كان صديقا حقيقيا, جمعتني به في البداية عوالم التجارة “ص200, الكامل لم يكن يعلم بعمل خوان خوسيه كجاسوس ولم يهتم بالسياسة، الصدفة لعبت دورا في لقاء خوان خوسيه بالكامل, كما لعبت دورا كبيرا في حياته الخاصه.

ولنتوقف قليلا عند تلك الربوة الجميلة الناعمة التي تطل على بحر المشاعر والانفعالات والجمال, ربوة الحب، لقد أحب خوان خوسيه كما أحب الكامل, كما أحبت شمس الضحى ومن قبلهم قاسم الذي دفع حياته في سبيل الفوز بمحبوبته، لكن حب خوان خوسيه شكل آخر.

ولنقرأ معا هذه السطور التي تأخذنا قليلا عن أحداث الرواية الفوارة بتاريخها وأحداثها: “لقد أقلعت السفينة قبل موعدها, لأن الربان خشى على سفينته من شر الرياح الغربية، ولم يك أمامه سبيل إلى مغادرة الجزيرة إلا بانتظار عودتها بعد ثلاثة أيام.

لا يوجد مكان في الجزيرة, ما العمل إذن؟ يسأل نفسه، هل أنام في المرفأ ملتحفا نجوم الليل؟, اسأل قرب الكنيسة عن منزل الأرملة السيدة أوردونييت، قد تجد عندها غرفة تؤجرها للعابرين, يجيبه أحدهم، فيصعد منعرجات ودرجات وأنفاق حتى وصل لشارع ضيق وبيت صغير، طرقت باب البيت الصغير, المشيد بالجير المشرب بالزرقة, كأني أطرق باب القدر، فتحت الباب, نظرت إلى عيناها السوداوان فغرقت فيهما إلى الأبد. ,, ص191

من الشخصيات إلى التكنيك في “أبواب الفجر” نجد أن الروائي مصطفى الورياغلي, اختار أو ترك شخصيات روايته تحكي وتتحدث، تحكي حكاياتها التي تتقاطع مع مصائر الآخرين والفترة التاريخية, للوصول بالرواية إلى هدف محدد. فالشخصيات بمثابة فروع وأغصان تتفرع من شجرة كبيرة وحدث تاريخي مهم، أما اللغة في الرواية , فجائت مسبوكة ورصينة, سلسلة تتغير وتتجدد بتغير الأشخاص وثقافتهم وميولهم. لقد وظف الكاتب بعض الكلمات التراثية والمعجمية المناسبة للوصف والسرد, كي تتحرك الرواية على أرضية لغوية مناسبة – إن صح التعبير- وتتماهى مع الفترة التاريخية التي تحكي عنها.

فى الفصل العاشر, تحت عنوان “الحسن ولد الطاهر الشاهد الذى رأي” يحكى الحسن آثار الأيام ومارسخ في ذاكرته مما شهده من الحوادث التليدة, يحكي لحفيده حكايات الثورة والجهاد والثوار والأمير محمد بن عبدالكريم الخطابى, وعن الصمود لمدة ست سنوات في وجه الإستعمار، طرقنا أبواب الفجر بقبضاتنا حتى دميت, فلما انفتح, وهلت علينا أنواره, دافعونا دونه, فصبرنا وثبتنا وانتصرنا, وعشنا معنى الحرية والكرامة، وحتى عندما انهزمنا, لم يكن ذلك عن تراجع أوخور.”ص234  “لقد كانت الروح سليمة, لكننا أضعناها بعد ذلك, يقول الحسن ولد الطاهر ثم يسأل حفيده هذا السؤال: من قتل الحلم فينا؟ وكيف سمحنا له بذلك؟ هل لديكم جواب يا بني؟ ” ص237

رواية أبواب الفجر للكاتب المغربي مصطفى الورياغلي
رواية أبواب الفجر للكاتب المغربي مصطفى الورياغلي